فهرس الكتاب

الصفحة 1368 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 551

المشروعة لمّا لم تكن مذكورة هاهنا على التّفصيل صارت الآية مجملة لا محالة.

والثّاني: ما روي عن ابن عبّاس، والحسن رضي اللّه عنهم: أنّ الباطل هو كلّ ما يؤخذ من الإنسان بغير عوض، وبهذا التّقدير لا تكون الآية مجملة ولكن قال بعضهم: إنّها منسوخة، قالوا: لمّا نزلت هذه الآية تحرّج النّاس من أن يأكلوا عند أحد شيئا؛ وشقّ ذلك على الخلق، فنسخه اللّه تعالى بقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا النّور: 61، وأيضا ظاهر الآية إذا فسّرنا الباطل بما ذكرناه، تحرم الصّدقات والهبات.

ويمكن أن يقال: هذا ليس بنسخ وإنّما هو تخصيص، ولهذا روى الشّعبيّ عن علقمة عن ابن مسعود أنّه قال: هذه الآية محكمة ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة.

المسألة الثّالثة: قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ، يدخل تحته أكل مال الغير بالباطل، وأكل مال نفسه بالباطل، لأنّ قوله: (اموالكم) يدخل فيه القسمان معا، كقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ... النّساء:

29، يدلّ على النّهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه بالباطل. أمّا أكل مال نفسه بالباطل فهو إنفاقه في معاصي اللّه، وأمّا أكل مال غيره بالباطل فقد عدّدناه. (10: 69)

نحوه الخازن (1: 428) ، والآلوسيّ (5: 15) .

القرطبيّ: ومن أكل المال بالباطل بيع العربان، وهو أن يأخذ منك السّلعة أو يكتري منك الدّابّة ويعطيك درهما فما فوقه، على أنّه إن اشتراها أو ركب الدّابّة فهو من ثمن السّلعة أو كراء الدّابّة، وإن ترك ابتياع السّلعة أو كراء الدّابّة فما أعطاك فهو لك، فهذا لا يصلح ولا يجوز عند جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيّين والعراقيّين؛ لأنّه من باب بيع القمار والغرر والمخاطرة، وأكل المال بالباطل بغير عوض ولا هبة، وذلك باطل بإجماع، وبيع العربان مفسوخ إذا وقع على هذا الوجه قبل القبض وبعده، وتردّ السّلعة إن كانت قائمة، فإن فاتت ردّ قيمتها يوم قبضها.

[و في جواز بيع العربان وعدم جوازه أقوال فراجع]

البروسويّ: أي لا تأخذوا، وعبّر عن الأخذ بالأكل لأنّ المقصود الأعظم من الأموال الأكل، فكما أنّ الأكل محرّم فكذلك سائر وجوه التّصرّفات: أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ... أي بوجه غير شرعيّ كالغصب والسّرقة والخيانة والقمار وعقود الرّبا والرّشوة واليمين الكاذبة وشهادة الزّور والعقود الفاسدة ونحوها.

رشيد رضا: أضاف الأموال إلى الجميع، فلم يقل:

لا يأكل بعضكم مال بعض، للتّنبيه على ما قرّرناه مرارا من تكافل الأمّة في حقوقها ومصالحها، كأنّه يقول: إنّ مال كلّ واحد منكم هو مال أمّتكم، فإذا استباح أحدكم أن يأكل مال الآخر بالباطل كان كأنّه أباح لغيره أكل ماله وهضم حقوقه، لأنّ المرء يدان كما يدين. هذا ما عندي.

ونقل بعض من حضر الدّرس على الأستاذ أنّه قال أيضا: إنّ في هذه الإضافة تنبيها إلى مسألة أخرى، وهي أنّ صاحب المال الحائز له يجب عليه بذله أو البذل منه للمحتاج، فكما لا يجوز للمحتاج أن يأخذ شيئا من مال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت