فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 589
يلاحظ أوّلا: أنّه في الثّلاث الأولى أضاف الأكل إلى الذّئب كجناية ارتكبها في حقّ يوسف البري ء من كلّ ذنب، وهو مع ذلك افتراء على الذّئب. وفي الأخيرتين أضافه إلى الطّير- وهو سبع أيضا- في حقّ المصلوب الّذي لا حيلة له ولا يقوى على الفرار وخلاص نفسه.
ثانيا: أنّه ليس في القرآن ذكر آخر عن أكل لحم الإنسان إلّا في آية واحدة: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا الحجرات: 12.
وبهذا يتّضح عذوبة التّعبير القرآنيّ في تصوير شناعة من يغتاب أخاه المؤمن؛ حيث يقول: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا، أي أنّه سبع يأكل لحم الإنسان الّذي هو من جنسه وأخوه، والسّبع يأكله؛ إذ ليس هو من جنسه، فهو أسوء عملا من السّبع. وفي هذه الآية نكات أخرى. لا حظ"أ خ و"و"ل ح م"
6 -وممّا يشهد بأنّ الأكل عمل حيوانيّ يتعاطاه الإنسان بجسمه، هو أنّه تعالى حين أراد التّدليل على أنّ عيسى وأمّه بشران قال: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ المائدة: 75.
كما يحكي عن المشركين في آيات أنّهم عدّوا أكل الطّعام دليلا على أنّ الرّسل بشر لا يصلحون للرّسالة:
1 -ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ
المؤمنون: 33
2 -ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ الفرقان: 7
والقرآن يشاطرهم هذا الرّأي القائل: إنّ الأنبياء بشر يأكلون الطّعام؛ حيث قال: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ الأنبياء: 8
7 -ويلاحظ أنّ القرآن كلّما يسند الأكل إلى الإنسان يعبّر عنه بلفظ البشر أو الجسد الّذي يعني جسمه دون روحه، وكلّما يسند إليه العلم والفهم وما إلى ذلك يعبّر عنه بالإنسان. وتمام الكلام في"أ ن س"و"ب ش ر".
8 -ومن شواهد ذلك أيضا أنّ إبراهيم عليه السّلام يتوقّع الأكل من الأصنام استهزاء بها، وإشارة إلى أنّها أجسام وليست آلهة:
فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ الصّافّات: 91
كما أنّه عليه السّلام حينما أراد أن يعلم حال ضيوفه أهم بشر أم ملائكة توسّل إلى الأكل:
فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ* فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ الذّاريات: 27، 28، فلمّا لم يأكلوا فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ.
كما أنّ اللّه دلّ على أنّ ناقة ثمود حيوان حقيقة، قال:
1 -فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ الأعراف: 73
2 -وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ هود: 64
9 -وجدير بالذّكر أنّه لم يرد في القرآن أمر بالأكل إلّا وهو مباح، وورد كثير منه في مورد رفع الحظر حسبما يعبّر عنه علماء علم الأصول، فلاحظ آيات الأمر بالأكل تجد صدق ذلك، وليس فيها مما يدلّ على الوجوب.
لكنّ القرآن حينما أباح الأكل وأمر به إنّما خصّ