فهرس الكتاب

الصفحة 1405 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 588

الحيوان فأكل مأكله.

فلا يزال كذلك حتّى يرجع إلى إنسانيّته الأولى بالإمساك عن أكل لحوم الحيوان ولحم أخيه الإنسان، فلا يأكل بعضهم بعضا.

ثانيا: أنّ الآية (8) وآيات أخرى تبيّن لنا أنّ الأكل حتّى من النّبات كان أوّل خطيئة للإنسان؛ حيث بدت به سوءاتهما، فأهبطا إلى الأرض، وبه انحطّا إلى رتبة الحيوان.

ثالثا: أنّ الآيتين (6 و7) تدلّان على أنّ الأكل من نبات الجنّة كان مبذولا للإنسان بقوله: وَكُلا مِنْها رَغَدًا وفَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما. ولم يكن فيه محذور إلّا الشّجرة المنهيّ عنها، ومع ذلك لم يتمالك الإنسان نفسه، فأكل منها.

رابعا: وهنا يثار سؤال: لماذا جعل اللّه تعالى شهوة الأكل أوّل اختبار للإنسان؟ فهل في ذلك دلالة على كونها أقوى غرائزه الّتي غلبت عليه، أو أنّه أيسر ابتلاء للإنسان ففشل فيه ولم ينجح؟ فكيف إذا ابتلي بما هو أشهى وأقوى للتّغلّب على الإنسان من الشّهوات؟

خامسا: قد سلك موسى عليه السّلام نفس الطّريق بأمر من اللّه؛ حيث أمر قومه بالأكل لدى دخول القرية رغدا حيث شاءوا؛ إشعارا بأنّ القرية لهم مثل الجنّة في خفض العيش. ولكن لم يبتلهم بالطّعام بل بالكلام، وهو أيسر تحمّلا وأخفّ تأثيرا من وطأة الطّعام، ومع ذلك فشلوا وفرّطوا فيه:

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ* فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. البقرة: 58، 59

كما أنّ اللّه ابتلاهم على لسان طالوت بالشّرب فعصوا إلّا قليلا منهم:

فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ البقرة: 249.

سادسا: ومن آيات عيسى عليه السّلام أنّه يخبرهم بما يأكلون؛ لأنّه أقرب مالديهم وأشهى عندهم من غيره:

وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ آل عمران: 49

5 -ولعلّ ممّا يعضد قولنا أيضا: إنّ الأكل في الأصل من فعل الحيوان، هو أنّ القرآن يجعل الإنسان مأكولا للحيوان في آيات كاقتصاص للحيوان من الإنسان:

1 -قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ يوسف: 14

2 -وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ يوسف: 17

3 -وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ يوسف: 13

4 -إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ يوسف: 36

5 -وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ يوسف: 41

يلاحظ أوّلا: أنّه في الثّلاث الأولى أضاف الأكل إلى الذّئب كجناية ارتكبها في حقّ يوسف البري ء من كلّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت