المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 670
وثانيا: نستبعد تماما ما ذهب إليه بعضهم من أنّ المقصود ب (الّا) هاهنا اللّه جلّ جلاله، لأنّ الذّمّة معطوفة عليه، فالأحرى أن يكون بينهما تجانس، ولا تجانس إلّا بوجه مجازيّ من حيث كان عهد اللّه أو ميثاقه، فحذف المضاف، وبقي المضاف إليه مقامه، لكنّه وجه بعيد من غير ضرورة.
وبهذا يختلف"الإلّ"هنا عن"إلّا"في اللّغات السّاميّة، كما اختلف عن أداة التّعريف"أل"، وإنّما ذلك تطوّر عمّا ذكر من المعاني.
وثالثا: تقدّم في النّصوص أنّ (الّا) تعني القرابة، و (ذمّة) تعني العهد، أو العكس، أو كلاهما بهذين المعنيين.
فإن كانا بمعنيين مختلفين فالعطف يدلّ على تعدّد الأوصاف، وإن كانا بمعنى واحد فالعطف للتّأكيد. إلّا أنّنا نرجّح الرّأي الأوّل، ونرى اختلاف الألفاظ في اللّغة الواحدة يوجب اختلاف المعاني؛ فلا يقال- مثلا- لشخص اسمه زيد وكنيته أبو عبد اللّه: جاء زيد وأبو عبد اللّه؛ لأنّ الشّي ء لا يعطف على نفسه إذا كان الثّاني بمعنى الأوّل، فلفظ أبي عبد اللّه لم يفد معنى، فهو لغو، وهذا بعيد في كتاب اللّه.
ونظيره قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا المائدة: 48.
ورابعا: مع صرف النّظر عمّا جاء في النّصوص التّفسيريّة في الفرق بين (الّا) و (ذمّة) ، مع أخذنا إيّاها بنظر الاعتبار، خاصّة ما ذكره رشيد رضا والطّباطبائيّ وبنت الشّاطئ، فلنا رؤية خاصّة تنفي كون (الّا) بمعنى القرابة، نظرا إلى أنّ الآيات المتقدّمة على هاتين الآيتين في سورة البراءة، وكذلك المتأخّرة عنهما، تعرّضت العهد مرّات، وليس فيها أثر للقرابة، فالأحرى بالسّياق أن يدخل كلّ من الإلّ والذّمّة تحت معنى العهد بتفاوت بينهما بالإطلاق والتّقييد، أو بما قاله الطّوسيّ: الإلّ: العهد، والذّمّة: عقد الجوار، وهما متقاربان، وفرّق بينهما بأنّ الذّمّة عقد قوم يذمّ نقضه، والإلّ- الّذي هو العهد- عقد يدعو إلى الوفاء، إذا ضلّ كلّ واحد منهما يقتضي هذا.
وخامسا: لقد ذكروا لتكرار لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً التّوبة: 8، وجوها، أقربها الإطلاق والتّقييد، فالأوّل مطلق والثّاني مقيّد، فلاحظ.