المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 669
الثّابت والسّبب بين الاثنين وفي اللّمعان والحربة وما يشابهها. ثمّ أردف كلامه بقوله: وأمّا البكاء والأنين ورفع الصّوت، فهي باعتبار ظهور العلاقة وتجلّي الرّبط الثّابت.
وهذا ترجمة لرأي الرّاغب القائل:"الإلّ": كلّ حالة ظاهرة من عهد حلف وقرابة، تئلّ: تلمع، وألّ الفرس، أي أسرع ولمع، وذلك استعارة في باب الإسراع.
ولكنّه لم يتناول المعنى الآخر أي التّحديد.
3 -وهذه كلّها جهود في إرجاع المعاني إلى معنى عامّ مشترك في الجميع، وليست هذه طريقة لتوسيع اللّغة بل المعتاد فيها استعمال اللّفظ لأحد المعاني المحسوسة، ثمّ يتّسع في أشباهها كما قلنا في الأذن وغيرها.
والأقرب إلى الصّواب أنّ ما كان بمعنى الألوهيّة فهو ليس بعربيّ بل مأخوذ عن العبريّة والسّريانيّة، ولعلّ منه"الإلّ"بمعنى الوحي والقسم والعهد؛ لأنّها جميعا ترجع إلى اللّه. وأمّا غيرها من المعاني فالأصل فيها هو الحربة، ثمّ اشتقّ منها فعل بمعناها؛ يقال: ألّه، إذا طعنه بالحربة، وباعتبار ما يستلزمها، وهو اللّمعان والاضطراب؛ يقال: ألّ الشّي ء ألّا، إذا لمع وبرق، وألّ الفرس، إذا اضطرب في مشيه، وألّت فرائصه، إذا لمعت في عدوه. وأمّا صوت الماء فباعتبار جريانه وتحرّكه واضطرابه، وكذلك الأنين والبكاء. ثمّ استعمل في ما تغيّر واضطرب مثل: ألل السّقاء، بالكسر: تغيّرت ريحه، وأللت أسنانه: فسدت، وألّ الثّوب: غيّره بالخياطة وقصّه بالمقراض. وهكذا الأليل: البريق، وأذن مؤلّلة، أي مشبهة للحربة.
والحاصل أنّ كلّ ما له حرمة وتعظيم يرجع إلى"الإلّ"الّذي هو اسم اللّه في العبريّة والسّريانيّة، وما يرجع إلى اللّمعان والاضطراب والفساد ونحوها فهو مأخوذ عن"الألّة"، وهي الحربة.
الاستعمال القرآنيّ
جاءت لفظة"إلّ"في آيتين مقترنة ب"ذمّة":
1 -كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ... * كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً التّوبة: 7، 8
2 -لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ التّوبة: 10
يلاحظ أوّلا: اجتماع أربعة ألفاظ ما اجتمعت في موضع من القرآن إلّا في هاتين الآيتين، وهي (يرقبوا) و (يرقبون) و (الّا) و (ذمّة) . ونفي الفعلان ب (لا) ونصب (الّا) و (ذمّة) بهما على المفعوليّة، والفعل الأوّل مجزوم بحذف النّون؛ لأنّه جواب الشّرط. والفاعل لكلا الفعلين هو واو الجمع الّذي يعود على لفظ المشركين.
هذا مع ملاحظة عدم مجي ء شي ء من هذه الألفاظ الأربعة في موضع آخر من القرآن، سوى ألفاظ من مادّتي"ر ق ب"و"ذ م م"في سياق آخر، وبذلك يكون:
[لا يرقبوا لا يرقبون- إلّا- ولا ذمّة]
ألفاظ وتراكيب من خصائص سورة التّوبة، انفردت بها هذه السّورة الّتي هي منفردة عن سائر سور القرآن بأشياء، أبرزها خلوّها عن البسملة.