المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 157
فلو لم يكن إبليس من الملائكة فكيف تناوله ذلك الأمر؟
وأيضا لو لم يكن من الملائكة فكيف يصحّ استثناؤه منهم؟ وقد أجبنا عن ذلك بالاستقصاء. (21: 136)
الخازن: كونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجنّ، بدليل قوله سبحانه وتعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا الصّافّات: 158، وذلك أنّ قريشا قالت:
الملائكة بنات اللّه، فهذا يدلّ على أنّ الملك يسمّى جنّا، ويعضده اللّغة، لأنّ الجنّ مأخوذ من الاجتنان وهو السّتر.
فعلى هذا تدخل الملائكة فيه، فكلّ الملائكة جنّ لاستتارهم وليس كلّ جنّ ملائكة.
ووجه كونه من الملائكة أنّ اللّه سبحانه وتعالى استثناه من الملائكة، والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل ويصحّ دخوله، وذلك يوجب كونه من الملائكة.
ووجه من قال: إنّه كان من الجنّ ولم يكن من الملائكة، قوله: كانَ مِنَ الْجِنِّ، والجنّ جنس مخالف للملائكة، وقوله: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ الكهف:
50، فأثبت له ذرّيّة، والملائكة لا ذرّيّة لهم.
وأجيب عن الاستثناء أنّه استثناء منقطع، وهو مشهور في كلام العرب. قال اللّه سبحانه وتعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ* إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي الزّخرف: 26، 27، وقال تعالى:
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلَّا سَلامًا مريم: 62.
قيل: إنّه من الملائكة فلمّا خالف الأمر مسخ وغيّر وطرد ولعن. (4: 175)
الفيروزاباديّ: عن ابن عبّاس: أنّ اللّه تعالى أمر إبليس أن يأتي محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم في صورة إنسان ويجيبه عن كلّ ما سأل. قال: فجاء اللّعين إلى باب المسجد وعليه لباس من صوف وبيده عكّازة مثل شيخ كبير، فنظره النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأنكره؛ إذ لم يسلّم عليه، فقال عليه السّلام: ما أنت يا شيخ؟ فقال: أنا إبليس، أمرني اللّه تعالى أن أجيبك عن كلّ ما تسأل، فسل ما تريد. فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: كم أعداؤك من أمّتي؟ قال: خمسة عشر، وأنت رأسهم وأوّلهم، والإمام العادل، والغنيّ المتواضع، والتّاجر الصّدوق، والعالم المتخشّع، والمؤمن النّاصح، والمؤمن الرّحيم القلب، والمتورّع عن الحرام والمديم على الطّهارة، والّذي يؤدّي حقّ ماله، والمؤمن السّخيّ، والمؤمن الكثير الصّدقة، وحامل القرآن، والقائم باللّيل، والقائم على التّوبة، قال: فكم رفقاؤك من أمّتي؟
قال: عشرة: السّلطان الجائر، والغنيّ المتكبّر، والتّاجر الخائن، وشارب الخمر، وصاحب الزّنى، وصاحب الرّبا، والقتّال، وآكل أموال اليتامى، ومانع الزّكاة، والطّويل الأمل؛ هؤلاء خواصّي. قال: كيف موضع صلاة أمّتي منك؟ قال تأخذني الحمّى. قال:
فموضع خوضهم في العلم؟ قال: أذوب كما يذوب الرّصاص. قال: فالصّوم؟ قال: أصير أعمى. قال:
فقراءة القرآن؟ قال: أصير أصمّ. قال: الحجّ؟ قال: إذا قيّدوني. قال: الجهاد؟ قال: يجمع يداي إلى عنقي بالغلّ.
قال: الصّدقة؟ قال: منشار يوضع على رأسي فأقطع نصفين: نصف إلى المشرق، ونصف إلى المغرب. قال:
فلم ذاك يا لعين؟ قال: لأنّ لهم في الصّدقة ثلاث خصال: