المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 29
يلاحظ أوّلا: أنّ لفظ (ببدنك) في الآية الأولى يصلح أن يكون حالا من (ننجّيك) ، فمعنى الآية- كما ذهب إلى ذلك أكثر المفسّرين- اليوم يا فرعون ننجّيك ملابسا بدنك دون روحك، لتكون عبرة للأجيال بعدك.
أمّا من فسّر"البدن"بالدّرع- كما ذهب إليه بعض المفسّرين- فلا يستقيم له هذا المعنى.
ثانيا: يرى الشّيخ الطّنطاويّ صاحب"الجواهر"أنّ التّنجية بالبدن في الآية، هو التّحنيط الّذي كان معروفا عند قدماء المصريّين، إذ عثر على موميا فرعون موسى المسمّى"منفطه"منذ سنين في جهات الوجه البحريّ، في مديريّة الشّرقيّة من مصر. ولا زال محفوظا إلى يومنا هذا في القاعة العليا من المتحف القوميّ في القاهرة، ولمّا مررت عليه هناك تلا الدّليل هذه الآية المباركة فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً، ولا شكّ أنّه إخبار غيبيّ عن المستقبل.
وقيل: إنّ فرعون موسى هو"سيتي"الثّاني ابن"منفطه"وقد عثر على جثّته منذ سنين أيضا بطيبة.
ثالثا: عدّ اللّه تعالى (البدن) في الآية الثّانية من شعائره، وبذا ساواها بالصّفا والمروة، لقوله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ البقرة: 158، فناحر البدن كالسّاعي بين الصّفا والمروة، وكلاهما ذو تقوى، قال تعالى: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ الحجّ: 32.
رابعا: لمّا أتى القرآن على ذكر الشّعائر لم يتعرّض لمردودها على الإنسان، إلّا عند ذكر البدن والأنعام، وبيّن ذلك بلفظ (لكم فيها) أو (لهم فيها) ، ثمّ أردفهما بلفظ (منافع) أو (دف ء) أو (خير) ، كما في هذه الآية.
وهذا يدلّ على منافع الأنعام وخيرها دنيا وآخرة، وانحصار أثر سائر الشّعائر في الآخرة فقط.