فهرس الكتاب

الصفحة 2074 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 254

لأنّه ميلاد عيسى على نبيّنا وعليه السّلام، لقوله تعالى:

(مكانا شرقيّا) واليهود مغربه، والآية ردّ على الفريقين.

وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ البقرة: 177، البرّ معنى من المعاني فلا يكون خبره الذّوات إلّا مجازا، فإمّا أن يجعل (البرّ) هو نفس (مَنْ آمَنَ) على طريق المبالغة قاله أبو عبيدة، والمعنى: ولكنّ البارّ، وإمّا أن يكون على حذف من الأوّل، أي ولكنّ ذا البرّ، قاله الزّجّاج، أو من الثّاني، أي برّ من آمن، قاله قطرب، وعلى هذا خرّجه سيبويه، قال في كتابه: وقال جلّ وعزّ: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ وإنّما هو: ولكن البرّ برّ من آمن باللّه، انتهى.

وإنّما اختار هذا سيبويه لأنّ السّابق إنّما هو نفي كون البرّ هو تولية الوجه قبل المشرق والمغرب، فالّذي يستدرك إنّما هو من جنس ما ينفى، ونظير ذلك: ليس الكرم أن تبذل درهما ولكنّ الكرم بذل الآلاف، فلا يناسب: ولكنّ الكريم من يبذل الآلاف إلّا إن كان قبله: ليس الكريم بباذل درهم.

وقال المبرّد: لو كنت ممّن يقرأ القرآن [لقرأت] (و لكنّ البرّ) بفتح الباء، وإنّما قال ذلك لأنّه يكون اسم فاعل، تقول: بررت أبرّ فأنا برّ وبارّ. قيل: فبني تارة على"فعل"نحو كهل وصعب، وتارة على"فاعل".

والأولى ادّعاء حذف الألف من البرّ، ومثله سرّ وقرّ وربّ، أي سارّ وقارّ وبارّ ورابّ.

وقال الفرّاء: (من امن) معناه الإيمان لما وقع من موقع المصدر جعل خبرا للأوّل، كأنّه قال: ولكنّ البرّ الإيمان باللّه. والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل، وأنشد الفرّاء:

لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى ... ولكنّما الفتيان كلّ فتى ندب

جعل نبات اللّحية خبرا للفتى، والمعنى لعمرك ما الفتوّة أن تنبت اللّحى.

وقرأ نافع وابن عامر (و لكن) بسكون النّون خفيفة، ورفع (البرّ) وقرأ الباقون بفتح النّون مشدّدة ونصب (البرّ) والإعراب واضح، وقد تقدّم نظير القراءتين في وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا البقرة: 102، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ البقرة: 177، ذكر في هذه الآية إن كان الإيمان مصرّحا بها، كما جاء في حديث جبريل حين سأله عن الإيمان فقال: أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه، ولم يصرّح في الآية بالإيمان بالقدر، لأنّ الإيمان بالكتاب يتضمّنه، ومضمون الآية أنّ البرّ لا يحصل باستقبال المشرق والمغرب بل بمجموع أمور:

أحدها: الإيمان باللّه، وأهل الكتاب أخلّوا بذلك، أمّا اليهود فللتّجسّم ولقولهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ التّوبة: 30، وأمّا النّصارى فلقولهم: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.

الثّاني: الإيمان باللّه واليوم الآخر، واليهود أخلّوا به حيث قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا البقرة: 80، والنّصارى أنكروا المعاد الجسمانيّ.

والثّالث: الإيمان بالملائكة، واليهود عادوا جبريل.

والرّابع: الإيمان بكتب اللّه، والنّصارى واليهود أنكروا القرآن.

والخامس: الإيمان بالنّبيّين، واليهود قتلوهم، وكلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت