فهرس الكتاب

الصفحة 2081 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 261

مَنِ اتَّقى قد مرّ معناه. (1: 284)

الفخر الرّازيّ: أمّا قوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها ففيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها:

أحدها: قال الحسن والأصمّ: كان الرّجل في الجاهليّة إذا همّ بشي ء فتعسّر عليه مطلوبه لم يدخل بيته من بابه بل يأتيه من خلفه، ويبقى على هذه الحالة حولا كاملا، فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك، لأنّهم كانوا يفعلونه تطيّرا، وعلى هذا تأويل الآية وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها على وجه التّطيّر، لكن البرّ من يتّقي اللّه ولم يتّق غيره، ولم يخف شيئا كان يتطيّر به، بل توكّل على اللّه تعالى واتّقاه وحده، ثمّ قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لتفوزوا بالخير في الدّين والدّنيا، كقوله: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا الطّلاق: 2 - 4.

وتمام التّحقيق في الآية: أنّ من رجع خائبا يقال:

ما أفلح وما أنجح، فيجوز أن يكون الفلاح المذكور في الآية هو أنّ الواجب عليكم أن تتّقوا اللّه حتّى تصيروا مفلحين منجحين. وقد وردت الأخبار عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالنّهي عن التّطيّر، وقال:"لا عدوى ولا طيرة"وقال:

"من ردّه عن سفره تطيّر فقد أشرك"أو كما قال: وأنّه كان يكره الطّيرة ويحبّ الفأل الحسن، وقد عاب اللّه تعالى قوما تطيّروا بموسى ومن معه قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ النّمل: 47.

الوجه الثّاني في سبب نزول هذه الآية: روي أنّ في أوّل الإسلام كان إذا أحرم الرّجل منهم، فإن كان من أهل المدن نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتّخذ سلّما يصعد منه سطح داره ثمّ ينحدر، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء، فقيل لهم: ليس البرّ بتحرّجكم عن دخول الباب، ولكن البرّ من اتّقى.

الوجه الثّالث: إنّ أهل الجاهليّة إذا أحرم أحدهم نقب خلف بيته أو خيمته نقبا، منه يدخل ويخرج إلّا الحمس- وهم قريش، وكنانة، وخزاعة، وثقيف، وخيم، وبنو عامر بن صعصعة، وبنو نصر بن معاوية، وهؤلاء سمّوا حمسا لتشدّدهم في دينهم، والحماسة:

الشّدّة، وهؤلاء متى أحرموا لم يدخلوا بيوتهم ألبتّة، ولا يستظلّون الوبر، ولا يأكلون السّمن والأقط- ثمّ إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان محرما ورجل آخر كان محرما، فدخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حال كونه محرما من باب بستان قد خرب، فأبصره ذلك الرّجل الّذي كان محرما فأتبعه، فقال له عليه السّلام: تنحّ عنّي. قال: ولم يا رسول اللّه؟ قال: دخلت الباب وأنت محرم. فوقف ذلك الرّجل فقال: إنّي رضيت بسنّتك وهديك؛ وقد رأيتك دخلت فدخلت، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، وأعلمهم أنّ تشديدهم في أمر الإحرام ليس ببرّ، ولكن البرّ من اتّقى مخالفة اللّه، وأمرهم بترك سنّة الجاهليّة، فقال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها فهذا ما قيل في سبب نزول هذه الآية.

المسألة الثّانية: ذكروا في تفسير الآية ثلاثة أوجه:

الأوّل: وهو قول أكثر المفسّرين حمل الآية على هذه الأحوال الّتي رويناها في سبب النّزول، إلّا أنّ على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت