فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 268
رواه مسلم وأصحاب السّنن عن النّواس بن سمعان، وروى أحمد والدّارميّ، وحسّنه النّوويّ في"الأربعين"عن وابصة بن معبد الجهنيّ رضي اللّه عنه أنّه قال: أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال:"جئت تسأل عن البرّ"وفى رواية:
"جئت تسأل عن البرّ والإثم"؟ قلت: نعم- وكان قد جاء لأجل ذلك، فأخبره النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بما في نفسه وأجابه عنه- فقال:"استفت قلبك؛ البرّ: ما اطمأنّت إليه النّفس واطمأنّ إليه القلب، والإثم: ما حاك في النّفس وتردّد في الصّدر، وإن أفتاك النّاس وأفتوك".
وليس هذا تفسيرا للبرّ والإثم بالمعنى الشّرعيّ ولا اللّغويّ، وإنّما هو بيان لما يطلبه السّائل من الفرقان بين ما يشتبه من البرّ والإثم، فيشكّ الإنسان هل هو منهما أم لا، فأحاله صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك على ضميره ووجدانه، وأرشده إلى الأخذ بالاحتياط الّذي تسكن إليه النّفس، ويطمئنّ به القلب، وإن خالف فتوى المفتين الّذين يراعون الظّواهر دون دقائق الاحتياط الخفيّة، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يجيب كلّ سائل بحسب حالته.
كان الصّحابة وسائر العرب يفهمون معنى"البرّ"وإنّما كان القرآن والنّبيّ يبيّنان لهم خصال البرّ وأعماله وآياته، وما قد يغلطون في عدّه منه، ولذلك قال اللّه تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى البقرة: 189، وكانوا في الجاهليّة يأتون البيوت من ظهورها إذا كانوا محرمين بالحجّ ويعدّون هذا من النّسك والبرّ.
وقال تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ... الآية، البقرة: 177، فهذا بيان لأهمّ أركان البرّ في الدّين من الإيمان والعبادات البدنيّة والماليّة والأخلاق. وقال تعالى: وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى المجادلة: 9.
فمجموع ما ورد في البرّ مصداق لما فسّره به الرّاغب:
من أنّه التّوسّع في فعل الخير، إذا أريد به ما يشمل الأفعال النّفسيّة والأخلاق الحسنة، باعتبار ما ينشأ عنها من الأعمال. وقد قال: إنّه مشتقّ من البرّ بالفتح- الّذي هو مقابل البحر- بتصوّر سعته. وإلّا قلنا: إنّ البرّ: اسم لمجموع ما يتقرّب به إلى اللّه تعالى من الإيمان والأخلاق والآداب والأعمال، وكلّ واحد منها يعدّ خصلة أو شعبة من البرّ. (6: 129)
نحوه المراغيّ. (6: 46)
الطّباطبائيّ: المعنى واضح، وهذا أساس السّنّة الإسلاميّة. وقد فسّر اللّه سبحانه (البرّ) في كلامه:
بالإيمان والإحسان في العبادات والمعاملات، كما مرّ في قوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ البقرة: 177، وقد تقدّم الكلام فيه. و (التّقوى) : مراقبة أمر اللّه ونهيه. (5: 163)
عبد المنعم الجمّال: ما اطمأنّ إليه القلب.
6 -يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. المجادلة: 9
الطّبريّ: يعني طاعة اللّه وما يقرّبكم منه.