فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 277
الوصف ثلاث مرّات، ووهب المدينة الاسم ثماني مرّات، وكأنّ المؤمنين في مكّة حريّ بهم أن يعرفوا هذا الوصف وموصوفه، ليوطّنوا أنفسهم على الاتّصاف به رغم ما فيه من الصّعوبات. ثمّ دعاهم في المدينة إلى (البرّ) في سياق ينبئ عن صعوبته- كما سبق- تطّلعا إلى ما وصف لهم من ذي قبل، ليتّصفوا به ويصبحوا أبرارا بأنفسهم.
ثانيا: جاء (البرّ) في (1) وصفا للّه تعالى، وهذا هو الموضع الوحيد الّذي وصف فيه اللّه بهذا الوصف مقرونا بوصف الرّحيم الّذي هو الآخر خاصّ باللّه، لكنّه موزّع ومكرّر في جميع السّور في البسملة، وفي غيرها (95) مرّة، مشفوعا بأوصاف كثيرة، مثل: الرّحمن، وهو أكثرها، والغفور، ثمّ العزيز، وغيرها على التّرتيب، وتجد في كلّ موضع مناسبة بين الرّحيم وما اقترن به من الأوصاف، لاحظ"ر ح م".
وأمّا المناسبة هنا بين البرّ والرّحيم، فإنّ (البرّ) صفة فعل له، و (الرّحيم) صفة ذات، والأوّل ناشئ من الثّاني، أي أنّه برّ لأنّه رحيم، أو بالعكس البرّ صفة ذات، والرّحيم صفة فعل، أو هما معا صفتا فعل، إلّا أنّ الأوّل نشأ من الثّاني، وهذا أقرب، لأنّ كلّا من البرّ والرّحيم جاءا متعدّيين، مثل وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ مريم: 14، بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ التّوبة: 128.
ولعلّ الاكتفاء بوصفه مرّة واحدة ب (البرّ) أنّ (البرّ) هو مجلى فيضه المنبسط عند العرفاء وهو واحد، كما قال تعالى: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ القمر:
50، وعبّر عنه ب (البرّ) لأنّ فيضه المنبسط لاحدّ له، وهو رحمته الّتي وسعت كلّ شي ء، وقد سبق أنّ مادّة"البرّ"تدلّ على السّعة والكثرة، فسبحان اللّه منزل الآيات. ولعلّ"أل"التّعريف في (البرّ) وصفا للّه، إشارة إلى ذلك الفيض المعروف المتجلّي في كلّ شي ء.
ثالثا: وجاء (برّا) وصفا ليحيى وعيسى في سورة مريم، وكان أحدهما عقيب الآخر، وكذلك جاءت القصّتان معا في سورة آل عمران (35 - 47) والأنبياء (89 - 92) ، إلّا أنّ قصّة ولادة مريم في آل عمران متقدّمة على قصّة زكريّا، فسورة مريم بدأت بقصّة زكريّا؛ حيث اشتكى إلى اللّه من حرمانه الولد، وسأله أن يهب له ولدا. فاستجاب دعاءه، ووهب له يحيى، رغم شيخوخة أبيه وعقم أمّه. ووصفه بأوصاف منها وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ، ثمّ عقّبه بقصّة مريم وحملها بعيسى ووضعها إيّاه. ثمّ وصف عيسى بأوصاف منها وَبَرًّا بِوالِدَتِي.
فكأنّ اللّه تعالى قدمّ قصّة زكريّا وولادة يحيى على النّحو غير المعتاد، لتكون أرضيّة مناسبة لذكر عيسى من غير أب، دفعا لاستبعادها، وإشارة إلى تشابه الوليدين يحيى وعيسى في أنّ ولادتهما خارقة للعادة، ومسبّبة لإرادة اللّه الحيّ القيّوم، ووصفهما بأوصاف متقاربة منها (برّا) ، مع فوارق اقتضاها المقام:
1 -وصف يحيى ب بَرًّا بِوالِدَيْهِ، وعيسى ب بَرًّا بِوالِدَتِي، إذ لم يكن له أب.
2 -وصف يحيى ب آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا* وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا* وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا مريم: 12 - 14، ووصف عيسى حكاية عنه ب إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا* وَجَعَلَنِي