المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 303
يمنعهم من الرجوع إليها إلى يوم القيامة، ومعلوم أن لا رجوع بعد القيامة. ففيه تأكيد لعدم رجوعهم، وإياس لهم من الرجوع إليها من أصله.
وفيه أنّ ظاهر السّياق الدّلالة على استقرار الحاجز بين الدّنيا وبين يوم يبعثون لا بينهم وبين الرّجوع إلى الدّنيا.
ولو كان المراد أنّ الموت حاجز بينهم وبين الرّجوع إلى الدّنيا لغى التّقييد بقوله: إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لدلالته من طريق المفهوم على رجوعهم بعد البعث إلى الدّنيا- ولا رجوع بعد البعث- بل للغويّة أصل التّقييد، وإن فرض أنّهم كانوا يعلمون من الخارج أو من آيات سابقة أن لا رجوع بعد القيامة.
على أنّ قولهم: إنّه تأكيد لعدم الرّجوع بإياسهم من الرّجوع مطلقا، مع قولهم: بأنّ عدم الرّجوع بعد القيامة معلوم من خارج، كالمتهافتين، بل يرجع المعنى إلى تأكيد نفي الرّجوع مطلقا، المفهوم من (كلّا) بنفي الرّجوع الموقّت المحدود بقوله: إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فافهمه. (15: 68)
المصطفويّ: أي حالة جديدة، وعالم يظهر على كيفيّة مخصوصة متكوّنة من السّابق، ويمتدّ هذا العالم إلى البعث. ولا حاجة لنا إلى تفسيره بالحاجز والحائل بين الشّيئين.
بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ الرّحمن: 20، وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا الفرقان: 53.
في التّعبير بكلمة (بينهما) إشارة إلى أنّ هذه الحالة الجديدة والصّورة الظّاهرة إنّما هي واقعة بالنّسبة إلى الطّرفين، فتصحّ نسبته إلى كلّ من البحرين الواقعين في حدّيه.
وكلمتا (لا يبغيان) ، ووَ حِجْرًا مَحْجُورًا تدلّان على قيد جديد، وهو يلائم المعنى المذكور، وأمّا إذا كان بمعنى الحاجر. فالقيدان زائدان للتّوضيح.
وهكذا القول في الآية الأولى وَمِنْ وَرائِهِمْ المؤمنون: 100، فإنّ تفسيره بالحاجز بين الأمرين فيها ركيك من جهات.
فالبرزخ في الآية الشّريفة قريب من قوله تعالى:
يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْ ءٌ المؤمن:
16، فالنّاس بعد موتهم يبرزون على حالة خاصّة، منقطعين عن الدّنيا وعن علائقها، متوجّهين إلى عالم الحقيقة، منخلعين عن لباس الجسد، متلبّسين بلباس لطيف، يترآى في سيماهم ما عملوا من خير أو شرّ، ويرون ما عملوا محضرا عندهم فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ الزّلزال: 7، 8.
فهذا البرزخ شبيه جدّا بالبراز؛ فإنّ من تبرّز وخرج إلى براز قرنه في الحرب، فقد انقطع عن جميع متعلّقاته، ولا يرى إلّا قدرة نفسه في مقابل طرفه وقرنه، ولا ينفعه ما كان له من عنوان أو مال أو قريب حميم. (1: 238)
2 -بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ. الرّحمن: 20
ابن عبّاس: يقول: حاجز. (الطّبريّ 27: 129)
مجاهد: بينهما حاجز من اللّه، لا يبغي أحدهما على الآخر. (الطّبريّ 27: 129)
قتادة: والبرزخ: هذه الجزيرة، هذا اليبس.