فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 337
الواضعون والمتكلّمون، إلى معاني من عالم الغيب لا يعلمها إلّا اللّه تعالى، ومن أعلمهم اللّه تعالى إيّاها بالوحي.
ولكنّ أكثر المفسّرين ولعوا بحشو تفاسيرهم بالموضوعات الّتي نصّ المحدّثون على كذبها، كما ولعوا بحشوها بالقصص والإسرائيليّات الّتي تلقّفوها من أفواه اليهود وألصقوها بالقرآن، لتكون بيانا له وتفسيرا، وجعلوا ذلك ملحقا بالوحي.
والحقّ الّذي لا مرية فيه: أنّه لا يجوز إلحاق شي ء بالوحي غير ما تدلّ عليه ألفاظه وأساليبه، إلّا ما ثبت بالوحي عن المعصوم الّذي جاء به ثبوتا لا يخالطه الرّيب.
أقول: هذا ما قاله الأستاذ في الرّعد والبرق، ردّا على"الجلال"فيما تبع فيه ما روى في التّفسير المأثور عن الصّحابة والتّابعين، ولا يصحّ منه شي ء، وأمثلة ما رواه التّرمذيّ بسند ضعيف من سؤال اليهود للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد رأينا السّيوطيّ لم يذكر من هذه الرّوايات شيئا في تفسير الآية من كتابه"الدّرّ المنثور"المخصّص لنقل المأثور، وكذلك ابن كثير، وكأنّ هذا عدّه من الإسرائيليّات، مع عدم صحّة الرّواية فيه.
وفسّرهما البغويّ بمفهومهما اللّغويّ، فقال في الرّعد:
هو الصّوت الّذي يسمع من السّحاب، وفي البرق: هو النّار الّتي تخرج منه. ثمّ قال: قال عليّ وابن عبّاس وأكثر المفسّرين: الرّعد: اسم ملك يسوق السّحاب، والبرق:
لمعان سوط من نور يزجر به الملك السّحاب. وقيل:
الصّوت زجر السّحاب. وقيل: تسبيح الملك. وقيل:
الرّعد: نطق الملك، والبرق: ضحكه.
وقال مجاهد: الرّعد: اسم الملك، ويقال لصوته أيضا: رعد. والبرق: اسم ملك يسوق السّحاب.
وقال شهر بن حوشب: الرّعد ملك يزجي السّحاب، فإذا تبدّدت ضمّها، فإذا اشتدّ غضبه طارت من فيه النّار فهي الصّواعق. وقيل: الرّعد: انخراق الرّيح بين السّحاب، والأوّل أصحّ ... ولم يذكر الحديث المرفوع، لأنّه أضعف عنده ممّا ذكره فيما يظهر.
أقول: ولا شكّ عندي في أنّ هذه الأقوال كلّها ممّا كان يذيعه، مثل كعب الأحبار ووهب بن منبّه بين المسلمين، من الصّحابة والتّابعين. ولو صحّ في حديث مرفوع بسماع صحيح لا يحتمل أن يكون من الإسرائيليّات لما وقع فيه مثل هذا الخلاف، ولأمكن حمله على أنّ المراد به الإشارة إلى أنّ هذه المظاهر الكونيّة تقع بفعل ملك، موكّل بالسّحاب، ولكن لا حاجة إلى ذلك مع عدم صحّة شي ء في المسألة، والملائكة من عالم الغيب، وهم لا يراهم النّاس إلّا إذا تمثّلوا لنبيّ أو وليّ، على سبيل المعجزة أو الإرهاص، كتمثّل الرّوح للسّيّدة مريم عليها السّلام، ورؤية الصّحابة، لجبريل في حضرة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بصورة رجل يسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان، والبرق من عالم الشّهادة لا من عالم الغيب. [إلى أن قال:]
وما تفسيرنا للبرق والرّعد والصّاعقة- مع كونها معروفة لكلّ النّاس- إلّا لأنّ المفسّرين صرفوا أفهامهم عن المعروف إلى غيره، كما حكي عن أرسطو- حكيم قدماء اليونان- أنّ تلاميذه سألوه عن تعريف"الحركة"فقام ومشى، وما أنطقهم بالسّؤال عنها على بداهتها، إلّا