فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 336
ولا برق- على ظهر البراق، وعرج إلى ذي المعارج حيث لا زمان ولا مكان، فرجع وهو أعلم خلق اللّه على الإطلاق صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم، فأنا بحول من عزّ حوله وتوفيق من غمرني فضله، أوفق لك لما يزيل الغين عن العين، ويظهر سرّ جوامع الكلم الّتي أوتيها سيّد الكونين صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم.
فأقول: قد صحّ عند أساطين الحكمة والنّبوّة- ممّا شاهدوه في أرصادهم الرّوحانيّة في خلواتهم ورياضاتهم، وكذا عند سائر المتألّهين الرّبّانيّين من حكماء الإسلام والفرس وغيرهم- أنّ لكلّ نوع جسمانيّ من الأفلاك والكواكب والبسائط العنصريّة ومركّباتها ربّا، هو نور مجرّد عن المادّة، قائم بنفسه مدبّر له حافظ إيّاه، وهو المنمّي والغاذي والمولّد في النّبات والحيوان والإنسان، لامتناع صدور هذه الأفعال المختلفة في النّبات والحيوان، عن قوّة بسيطة لا شعور لها وفينا عن أنفسنا، وإلّا لكان لنا شعور بها، فجميع هذه الأفعال من الأرباب.
وإلى تلك الأرباب أشار صاحب الرّسالة العظمى صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم بقوله:"و إنّ لكلّ شي ء ملكا"حتّى قال:"إنّ كلّ قطرة من القطرات ينزل معها ملك".
وقال:"أتاني ملك الجبال وملك البحار". وحكى أفلاطون عن نفسه أنّه خلع الظّلمات النّفسانيّة والتّعلّقات البدنيّة وشاهدها، وذكر مولانا الشّيخ صدر الدّين القونويّ قدّس سرّه في تفسيره"الفاتحة"أنّه ما ثمّ صورة إلّا ولها روح، وأطال أهل اللّه تعالى الكلام في ذلك.
فإذا علمت هذا فلا بعد في أن يقال: أراد صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم بالملك الموكّل بالسّحاب- في بيان الرّعد- هو هذا الرّبّ المدبّر الحافظ، وبزجره تدبيره له حسب استعداده وقابليّته، وأراد بصوت ذلك الزّجر:
ما يحدث عند الشّقّ بالأبخرة الّذي يقتضيه ذلك التّدبير، وأراد بالمخاريق- في بيان البرق، وهي جمع مخراق، وهو في الأصل ثوب يلفّ، وتضرب به الصّبيان بعضهم بعضا- الآلة الّتي يحصل بواسطتها الشّقّ، ولا شكّ أنّها كما قرّرنا من نار أشعلتها شدّة الحركة والمحاكّة، فظهرت كما ترى.
وحيث فتحنا لك هذا الباب قدرت على تأويل كثير ممّا ورد من هذا القبيل حتّى قولهم: إنّ الرّعد نطق الملك، والبرق ضحكه، وإن كان بحسب الظّاهر ممّا يضحك منه، ولم أر أحدا وفق فوفّق وتحقّق فحقّق، واللّه تعالى الموفّق وهو حسبي ونعم الوكيل. (1: 172)
رشيد رضا: والبرق هو الضّوء الّذي يلمع في السّحاب في الغالب، وقد يلمع من الأفق حيث لا سحاب. وقال مفسّرنا الجلال السّيوطيّ: إنّ الرّعد ملك أو صوته، والبرق سوطه يسوق به السّحاب، كأنّ الملك جسم مادّيّ، لأنّ الصّوت المسموع بالآذان من خصائص الأجسام، وكأنّ السّحاب حمار بليد لا يسير إلّا إذا زجر بالصّراخ الشّديد والضّرب المتتابع.
وما ذكرناه هو الّذي كان يفهمه العرب من اللّفظين، وهو الّذي يفهمه النّاس اليوم، ولا يجوز صرف الألفاظ عن معانيها الحقيقيّة إلّا بدليل صحيح، ولا سيّما إذا صرفت عن معاني من عالم الشّهادة الّذي يعرفه