فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 226

تعالى: وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُ الفاطر: 15، وقال تعالى:

اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ ءٍ الزّمر: 62، إلى غير ذلك من الآيات وهي آيات محكمات ترجع إليها متشابهات القرآن، فما ورد من الآيات وظاهرها إسناد شي ء من الصّفات أو الأفعال الحادثة إليه تعالى ينبغي أن يرجع إليها، ويفهم منها معنى من المعاني. لا ينافي صفاته العليا وأسماءه الحسنى تبارك وتعالى، فالآيات المشتملة على نسبة المجي ء أو الإتيان إليه تعالى، كقوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا الفجر: 22، وقوله تعالى:

فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا الحشر: 2، وقوله تعالى: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ النّحل:

26، كلّ ذلك يراد فيها معنى يلائم ساحة قدسه تقدّست أسماؤه كالإحاطة ونحوها ولو مجازا، وعلى هذا فالمراد بالإتيان في قوله تعالى: أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ الإحاطة بهم للقضاء في حقّهم.

على أنّا نجده سبحانه وتعالى في موارد من كلامه إذا سلب نسبة من النّسب وفعلا من الأفعال عن استقلال الأسباب ووساطة الأوساط فربّما نسبها إلى نفسه وربّما نسبها إلى أمره، كقوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الزّمر: 42، وقوله تعالى: يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ السّجدة: 11، وقوله تعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا الأنعام:

61، فنسب التّوفّي تارة إلى نفسه وتارة إلى الملائكة، ثمّ قال تعالى في أمر الملائكة: بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ الأنبياء:

27، وكذلك قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يونس: 93، وقوله تعالى: فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِ المؤمن: 78، وكما في هذه الآية: أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ ... ، وقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ النّحل: 33.

وهذا يوجب صحّة تقدير الأمر في موارد تشتمل على نسبة أمور إليه لا تلائم كبرياء ذاته تعالى، نظير جاءَ رَبُّكَ، ويَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فالتّقدير: جاء أمر ربّك، ويأتيهم أمر اللّه.

فهذا هو الّذي يوجبه البحث السّاذج في معنى هذه النّسب على ما يراه جمهور المفسّرين، لكن التّدبّر في كلامه تعالى يعطي لهذه النّسب معنى أرقّ وألطف من ذلك، وذلك أنّ أمثال قوله تعالى: وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُ فاطر: 15، وقوله تعالى: الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ص: 9، وقوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْ ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى طه:

50، تفيد أنّه تعالى واجد لما يعطيه من الخلقة وشؤونها وأطوارها، ملي ء بما يهبه ويجود به، وإن كانت أفهامنا من جهة اعتيادها بالمادّة وأحكامها الجسمانيّة يصعب عليها تصوّر كيفيّة اتّصافه تعالى ببعض ما يفيض على خلقه من الصّفات ونسبته إليه تعالى، لكن هذه المعاني إذا جرّدت عن قيود المادّة، وأوصاف الحدثان لم يكن في نسبته إليه تعالى محذور، فالنّقص والحاجة هو الملاك في سلب معنى من المعاني عنه تعالى، فإذا لم يصاحب المعنى نقصا وحاجة لتجريده عنه صحّ إسناده إليه تعالى بل وجب ذلك؛ لأنّ كلّ ما يقع عليه اسم شي ء فهو منه تعالى بوجه على ما يليق بكبريائه وعظمته.

فالمجي ء والإتيان الّذي هو عندنا قطع الجسم مسافة بينه وبين جسم آخر بالحركة واقترابه منه إذا جرّد عن خصوصيّة المادّة كان هو حصول القرب، وارتفاع المانع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت