فهرس الكتاب

الصفحة 2215 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 395

يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ* قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. الأعراف: 31، 32.

فراجع تفسيرهما في الجزء الثّامن من التّفسير، فهذا بيان لكون أصل الدّين يقتضي سعادة الدّنيا قبل الآخرة، من أوّل النّشأة البشريّة في عهد آدم، وتقدّم آنفا ما أنزله تعالى على نوح، وهو الأب الثّاني للبشر، وقال تعالى حكاية عن هود: وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ هود: 52.

وهذه الآيات كلّها حجج على أعداء الإسلام من المنتمين إليه ومن غيرهم، الزّاعمين أنّه- وكذا كلّ دين إلهيّ- سبب للضّعف والفقر. (9: 24)

نحوه المراغيّ (9: 14)

النّهاونديّ: كثيرة (من السّماء) بالأمطار النّافعة، ومن (الارض) بإنبات النّباتات الكثيرة والثّمار والزّروع، وإكثار المواشي، وإدامة الأمن والسّلامة، ولوسّعنا عليهم جميع الخيرات، ويسّرناها لهم من كلّ جانب. (2: 32)

سيّد قطب: التّعبير القرآنيّ بعمومه وشموله يلقي ظلال الفيض الغامر، الّذي لا يتخصّص بما يعهده البشر من الأرزاق والأقوات.

وأمام هذا النّصّ- والنّصّ الّذي قبله- نقف أمام حقيقة من حقائق العقيدة وحقائق الحياة البشريّة والكونيّة سواء. وأمام عامل من العوامل المؤثّرة في تاريخ الإنسان، تغفل عنه المذاهب الوضعيّة وتغفله كلّ الإغفال، بل تنكره كلّ الإنكار.

إنّ العقيدة الإيمانيّة في اللّه وتقواه، ليست مسألة منعزلة عن واقع الحياة، وعن خطّ تاريخ الإنسان. إنّ الإيمان باللّه وتقواه، ليؤهّلان لفيض من بركات السّماء والأرض. وعدا من اللّه. ومن أوفى بعهده من اللّه؟

ونحن- المؤمنين باللّه- نتلقّى هذا الوعد بقلب المؤمن، فنصدّقه ابتداء، لا نسأل عن علله وأسبابه، ولا نتردّد لحظة في توقّع مدلوله. نحن نؤمن باللّه- بالغيب- ونصدّق بوعده بمقتضى هذا الإيمان، ثمّ ننظر إلى وعد اللّه نظرة التّدبّر- كما يأمرنا إيماننا كذلك- فنجد علّته وسببه.

إنّ الإيمان باللّه دليل على حيويّة في الفطرة؛ وسلامة في أجهزة الاستقبال الفطريّة، وصدق في الإدراك الإنسانيّ، وحيويّة في البنية البشريّة، ورحابة في مجال الإحساس بحقائق الوجود، وهذه كلّها من مؤهّلات النّجاح في الحياة الواقعيّة.

والإيمان باللّه قوّة دافعة دافقة، تجمع جوانب الكينونة البشريّة كلّها، وتتّجه بها إلى وجهة واحدة، وتطلقها تستمدّ من قوّة اللّه، وتعمل لتحقيق مشيئته في خلافة الأرض وعمارتها، وفي دفع الفساد والفتنة عنها، وفي ترقية الحياة ونمائها. وهذه كذلك من مؤهّلات النّجاح في الحياة الواقعيّة.

والإيمان باللّه تحرّر من العبوديّة للهوى ومن العبوديّة للعبيد، وما من شكّ أنّ الإنسان المتحرّر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت