فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 394
وأنوار الإيمان الرّوحانيّة، ونفحات الإلهامات الرّبّانيّة، فالمعنى: أنّ فائدة الإيمان وإتّباع الرّسل عليهم السّلام تكون تكميل الفطرة البشريّة روحا وجسدا، وغايته سعادة الدّارين؛ الدّنيا والآخرة.
وإذا أريد ببركات السّماء: المطر، وببركات الأرض:
النّبات- كما قيل- فالمعنى: أنّها أبواب نعم تكون بركات لهم، غير الّتي عهدوا في صفتها ونمائها وثباتها، وحالتهم فيها وأثرها فيهم، وبذلك تكون بركات. فإنّ مادّة البركة تدلّ على السّعة والزّكاء من: بركة الماء، وعلى الثّبات والاستقرار من: برك البعير.
ألم تقرأ أو تسمع قوله تعالى: قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ هود: 48، فخصّ المؤمنين بالبركات، وجعل نعمة الدّنيا متاعا موقّتا للكافرين يتلوه العذاب، ولذلك لم يعطفهم على من قبلهم.
روي عن محمّد بن كعب القرظيّ: أنّه دخل في تلك البركات كلّ مؤمن ومؤمنة، وفي ذلك المتاع والعذاب الأليم كلّ كافر وكافرة.
وعن الضّحّاك قال: وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ يعني ممّن لم يولد أوجب لهم البركات، لما سبق لهم في علم اللّه من السّعادة وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ يعني متاع الحياة الدّنيا ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ لما سبق لهم في علم اللّه من الشّقاوة.
فالقاعدة المقرّرة في القرآن: أنّ الإيمان الصّحيح ودين الحقّ سبب لسعادة الدّنيا ونعمتها بالحقّ والاستحقاق.
وأنّ الكفّار قد يشار كونهم في المادّيّ منها، كما قال تعالى فيهم: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْ ءٍ الأنعام: 44، فذلك الفتح ابتلاء واختبار لحالهم، كان أثره فيهم فرح البطر والأشر، بدلا من الشّكر، وترتّب عليه العقاب الإلهيّ، فكان نقمة لا نعمة، وفتنة لا بركة.
وأمّا المؤمنون فإنّ ما يفتح عليهم يكون بركة ونعمة، ويكون أثره فيهم الشّكر للّه عليه، والرّضا منه، والاغتباط بفضله، واستعماله في سبيل الخير دون الشّرّ، وفي الإصلاح دون الإفساد، ويكون جزاؤهم عليه من اللّه تعالى زيادة النّعم ونموّها في الدّنيا، وحسن الثّواب عليها في الآخرة.
فالفارق بين الفتحين يؤخذ من جعل هذا من البركات الرّبّانيّة، ومن تنكيره الدّالّ على أنواع لم يعهدها الكفّار.
وممّا ورد في الآيات الأخرى الدّالّة على أنّ غاية هداية الإيمان الجمع بين سعادة الدّنيا والآخرة، كقوله تعالى خطابا للبشر موجّها لأبويهم من قصّة آدم في سورة طه: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى طه: 123، 124.
وقوله في خطاب بني آدم من هذه السّورة، بعد ذكر قصّته المبيّنة لخواصّ هذا النّوع وحكم اللّه في خلقه، والأصول العامّة لدين الرّسل الّذين يبعثهم لهدايته: