فهرس الكتاب

الصفحة 2217 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 397

والارتياح. وكم من أمّة غنيّة قويّة ولكنّها تعيش في شقوة، مهدّدة في أمنها، مقطّعة الأواصر بينها، يسود النّاس فيها القلق، وينتظرها الانحلال. فهي قوّة بلا أمن، وهو متاع بلا رضى، وهي وفرة بلاصلاح، وهو حاضر زاه يترقّبه مستقبل نكد، وهو الابتلاء الّذي يعقبه النّكال.

إنّ البركات الحاصلة مع الإيمان والتّقوى، بركات في الأشياء، وبركات في النّفوس، وبركات في المشاعر، وبركات في طيّبات الحياة، بركات تنمي الحياة وترفعها في آن، وليست مجرّد وفرة مع الشّقوة، والتّردّي والانحلال. (3: 1338)

الطّباطبائيّ: البركات: أنواع الخير الكثير، ربّما يبتلي الإنسان بفقده كالأمن والرّخاء والصّحّة والمال والأولاد وغير ذلك.

وقوله: لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ الأعراف: 96، فيه استعارة بالكناية، فقد شبّهت البركات بمجاري تجري منها عليهم كلّ ما يتنّعمون به من نعم اللّه، لكنّها سدّت دونهم فلا يجري عليهم منها شي ء، لكنّهم لو آمنوا واتّقوا لفتحها اللّه سبحانه، فجرى عليهم منها بركات السّماء من الأمطار والثّلوج والحرّ والبرد، وغير ذلك كلّ في موقعه، وبالمقدار النّافع منه، وبركات الأرض من النّبات والفواكه والأمن وغيرها.

ففي الكلام استعارة المجاري للبركات، ثمّ ذكر بعض لوازمه وآثاره، وهو الفتح للمستعار له. (8: 201)

عبد الكريم الخطيب: هو تعقيب على ما حلّ بالظّالمين من بلاء ونكال، ثمّ هو وعيد للمشركين من أهل مكّة، وما حولها من القرى.

فهؤلاء الّذين أخذوا بظلمهم، لو أنّهم آمنوا باللّه، وصدّقوا رسله، واتّقوا محارم اللّه، وأقاموا شريعته، لكانوا في عافية من أمرهم، وفي سعة من رزقهم، ولفتح اللّه عليهم بركات من السّماء الّتي رمتهم بالصّواعق، وبركات من الأرض الّتي زلزلت بهم، ورجفت، وفغرت أفواهها لابتلاعهم. أفلا يكون في هؤلاء القوم عبرة لمعتبر، وذكرى لمن يتذكّر؟ وما ذا تنتظر أمّ القرى ومن حولها، وقد استغلظ فيها الشّرك، وعاث فيها المشركون؟

والسّؤال هنا: هل من مقتضى الإيمان والتّقوى أن تفتح على المؤمن التّقيّ بركات من السّماء والأرض؟ أو بمعنى آخر: هل المؤمنون الأتقياء هم أكثر النّاس رزقا وأوفرهم مالا؟ وكيف؟

والمشاهد أنّ الّذين يجتمع إلى أيديهم الغنى والجاه والسّلطان، هم الّذين لا يؤمنون باللّه، أو الّذين يؤمنون به ولكن لا يتّقونه ولا يوقّرون حرماته!

فما تأويل قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ... الأعراف: 96.

والجواب: أنّ المؤمن باللّه، المتّقي لحرماته، هو أكثر النّاس غنى في قلبه، وقناعة في نفسه، ورضى بقدره.

فالقليل في يد المؤمن التّقيّ هو كثير مبارك فيه، يسدّ حاجته، ويجلي عن نفسه هموم الدّنيا، ويقيمه على رضى دائم واطمئنان متّصل، وسلام مقيم مع نفسه ومع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت