فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 583
السّلطان الأعظم وسائر العبيد كانوا واقفين في خدمته، فإذا رمى ذلك السّلطان تفّاحة إلى أحد اولئك العبيد، عظم فرحه بها. فذلك الفرح العظيم ما حصل بسبب حصول تلك التّفّاحة بل بسبب أنّ ذلك السّلطان خصّه بذلك الإكرام، فكذلك هاهنا قوله: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ منهم من كان فرحهم بسبب الفوز بتلك الرّحمة، ومنهم من لم يفرح بالفوز بتلك الرّحمة، وإنّما فرح لأنّ مولاه خصّه بتلك الرّحمة، وحينئذ يكون فرحه لا بالرّحمة بل بمن أعطى الرّحمة.
ثمّ إنّ هذا المقام يحصل فيه أيضا درجات، فمنه من يكون فرحه بالرّاحم، لأنّه رحم، ومنهم من يتوغّل في الخلوص فينسى الرّحمة، ولا يكون فرحه إلّا بالمولى، لأنّه هو المقصد؛ وذلك لأنّ العبد مادام مشغولا بالحقّ من حيث إنّه راحم فهو غير مستغرق في الحقّ، بل تارة مع الحقّ وتارة مع الخلق، فإذا تمّ الأمر انقطع عن الخلق وغرق في بحر نور الحقّ، وغفل عن المحبّة والمحنة، والنّقمة والنّعمة، والبلاء والآلاء.
والمحقّقون وقفوا عند قوله: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ فكان ابتهاجهم بهذا وسرورهم به وتعويلهم عليه ورجوعهم إليه. ومنهم من لم يصل إلى تلك الدّرجة العالية فلا تقنع نفسه إلّا بمجموع قوله: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ فلا يعرف أنّ الاستبشار بسماع قول ربّهم، بل إنّما يستبشر بمجموع كونه مبشّرا بالرّحمة.
والمرتبة الثّانية: هي أن يكون استبشاره بالرّحمة، وهذه المرتبة هي النّازلة عند المحقّقين.
واللّطيفة الثّانية من لطائف هذه الآية هي أنّه تعالى قال: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ وهي مشتملة على أنواع من الرّحمة والكرامة:
أوّلها: أنّ البشارة لا تكون إلّا بالرّحمة والإحسان.
والثّاني: أنّ بشارة كلّ أحد يجب أن تكون لائقة بحاله، فلمّا كان المبشّر هنا هو أكرم الأكرمين، وجب أن تكون البشارة بخيرات تعجز العقول عن وصفها، وتتقاصر الأفهام عن نعتها.
والثّالث: أنّه تعالى سمّى نفسه هاهنا بالرّبّ وهو مشتقّ من التّربية، كأنّه قال: الّذي ربّاكم في الدّنيا بالنّعم الّتي لا حدّ لها ولا حصر لها يبشّركم بخيرات عالية وسعادات كاملة.
والرّابع: أنّه تعالى قال: (ربّهم) فأضاف نفسه إليهم، وما أضافهم إلى نفسه.
والخامس: أنّه تعالى قدّم ذكرهم على ذكر نفسه، فقال: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ.
والسّادس: أنّ البشارة هي الإخبار عن حدوث شي ء ما كان معلوم الوقوع، أمّا لو كان معلوم الوقوع لم يكن بشارة، ألا ترى أنّ الفقهاء قالوا: لو أنّ رجلا قال: من يبشّرني من عبيدي بقدوم ولدي فهو حرّ، فأوّل من أخبر بذلك الخبر يعتق، والّذين يخبرون بعده لا يعتقون.
وإذا كان الأمر كذلك فقوله: (يبشّرهم) لا بدّ أن يكون إخبارا عن حصول مرتبة من مراتب السّعادات ما عرفوها قبل ذلك، وجميع لذّات الجنّة وخيراتها وطيّباتها قد عرفوه في الدّنيا من القرآن، والإخبار عن حصول بشارة، فلابدّ وأن تكون هذه البشارة بشارة عن