فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 584
سعادات لا تصل العقول إلى وصفها ألبتّة.
واعلم أنّه تعالى لمّا قال: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بيّن الشّي الّذي به يبشّرهم، وهو أمور: أوّلها: قوله:
بِرَحْمَةٍ مِنْهُ، وثانيها: قوله: وَرِضْوانٍ.
وأنا أظنّ- والعلم عند اللّه- أنّ المراد بهذين الأمرين ما ذكره في قوله: ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً الفجر: 28، والرّحمة كون العبد راضيا بقضاء اللّه؛ وذلك لأنّ من حصلت له هذه الحالة كان نظره على المبلي والمنعم لا على النّعمة والبلاء. ومن كان نظره على المبلي والمنعم لم يتغيّر حاله، لأنّ المبلي والمنعم منزّه عن التّغيّر.
فالحاصل أنّ حاله يجب أن يكون منزّها عن التّغيّر.
أمّا من كان طالبا لمحض النّفس كان أبدا في التّغيّر من الفرح إلى الحزن، ومن السّرور إلى الغمّ، ومن الصّحّة إلى الجراحة، ومن اللّذّة إلى الألم؛ فثبت أنّ الرّحمة التّامّة لا تحصل إلّا عند ما يصير العبد راضيا بقضاء اللّه.
فقوله: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ هو أنّه يزيل عن قلبه الالتفات إلى غير هذه الحالة، ويجعله راضيا بقضائه، ثمّ إنّه تعالى يصير راضيا، وهو قوله:
(و رضوان) ، وعند هذا تصير هاتان الحالتان المذكورتان في قوله: راضِيَةً مَرْضِيَّةً وهذه هي الجنّة الرّوحانيّة النّورانيّة العقليّة القدسيّة الإلهيّة. ثمّ إنّه تعالى بعد أن ذكر هذه الجنّة العالية المقدّسة ذكر الجنّة الجسمانيّة، وهي قوله: وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ* خالِدِينَ فِيها أَبَدًا التّوبة: 21. (16: 15)
القرطبيّ: أي يعلمهم في الدّنيا ما لهم في الآخرة من الثّواب الجزيل والنّعيم المقيم. (8: 93)
أبو حيّان: أسند التّبشير إلى قوله: (ربّهم) لما في ذلك من الإحسان إليهم بأنّ مالك أمرهم، والنّاظر في مصالحهم هو الّذي يبشّرهم، فذلك على تحقيق عبوديّتهم لربّهم. (5: 21)
الآلوسيّ: قرأ حمزة (يبشرهم) بفتح الياء، وسكون الباء، وضمّ الشّين والتّخفيف، على أنّه من"بشر"الثّلاثي، وأخرجها أبو الشّيخ عن طلحة بن مصرّف، وفي التّعرّض لعنوان الرّبوبيّة مع الإضافة إلى ضمير"هم"وكونه سبحانه هو المبشّر، ما لا يخفي من اللّطافة واللّطف. (10: 69)
الطّباطبائيّ: ظاهر السّياق أنّ ما يعدّه من الفضل في حقّهم بيان وتفصيل لما ذكر في الآية السّابقة من فوزهم، جي ء به بلسان التّبشير، فالمعنى: (يبشّرهم) أي هؤلاء المؤمنين رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ عظيمة لا يقدّر قدرها. (9: 206)
يبشّرك
1 -فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا ... آل عمران: 39
وأمّا قوله: يُبَشِّرُكَ فإنّ القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة والبصرة أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بتشديد الشّين، وضمّ الياء، على وجه تبشير اللّه زكريّا بالولد، من قول النّاس: بشرت فلانا البشرى بكذا وكذا، أي أتته بشارات البشرى بذلك.
وقرأ ذلك جماعة من قرّاء الكوفة وغيرهم (انّ اللّه يبشرك) بفتح الياء وضمّ الشّين وتخفيفها، بمعنى أنّ اللّه