فهرس الكتاب

الصفحة 2411 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 590

أن يبشّر المؤمنين كلّ سامع بل نصّ على أعظمهم وأصدقهم، ليكون ذلك أوثق عندهم وأقطع في الإخبار بهذه البشارة العظيمة؛ إذ تبشيره صلّى اللّه عليه وسلّم تبشير من اللّه تعالى، والجملة من قوله: (و بشّر) معطوفة على ما قبلها، وليس الّذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتّى يطلب مشاكل من أمر أو نهي. [إلى أن قال:]

وتلخّص من هذا أنّ عطف الجمل بعضها على بعض ليس من شرطه أن تتّفق معاني الجمل، فعلى هذا يجوز عطف الجملة الخبريّة على الجملة غير الخبريّة.

وهذه المسألة فيها اختلاف، ذهب جماعة من النّحويّين إلى اشتراط اتّفاق المعاني. والصّحيح أنّ ذلك ليس بشرط، وهو مذهب سيبويه، فعلى مذهب سيبويه يتمشّى إعراب الزّمخشريّ وأبي البقاء.

وأجاز الزّمخشريّ وأبو البقاء أن يكون قوله:

(و بشّر) معطوفا على قوله: فَاتَّقُوا النَّارَ ليكون عطف أمر على أمر. قال الزّمخشريّ: كما تقول: يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشّر يا فلان بني أسد بإحسان إليهم.

وهذا الّذي ذهبا إليه خطأ، لأنّ قوله: (فاتّقوا) جواب للشّرط وموضعه جزم، والمعطوف على الجواب جواب. ولا يمكن في قوله: (و بشّر) أن يكون جوابا- لأنّه أمر بالبشارة- ومطلقا، لا على تقدير: إن لم تفعلوا، بل أمر أن يبشّر الّذين آمنوا أمرا ليس مترتّبا على شي ء قبله، وليس قوله: (و بشّر) على إعرابه مثل ما مثّل به من قوله: يا بني تميم إلخ، لأنّ قوله:"احذروا"لا موضع له من الإعراب، بخلاف قوله: (فاتّقوا) فلذلك أمكن فيما مثّل به العطف، ولم يمكن في (و بشّر) .

وقرأ زيد بن عليّ (و بشّر) فعلا ماضيا مبنيّا للمفعول، قال الزّمخشريّ: عطفا على (اعدّت) انتهى.

وهذا الإعراب لا يتأتّى على قول من جعل (اعدّت) جملة في موضع الحال، لأنّ المعطوف على الحال حال، ولا يتأتّى أن يكون (و بشّر) في موضع الحال، فالأصحّ أن تكون جملة معطوفة على ما قبلها، وإن لم تتّفق معاني الجمل، كما ذهب إليه سيبويه، وهو الصّحيح. [ثمّ استشهد بشعر]

وأجاز سيبويه: جاءني زيد ومن أخوك العاقلان، على أن يكون العاقلان خبر ابتداء مضمر، وقد تقدّم لنا أنّ الزّمخشريّ يخصّ البشارة بالخبر الّذي يظهر سرور المخبر به.

وقال ابن عطيّة: الأغلب استعماله في الخير، وقد يستعمل في الشّرّ مقيّدا به، منصوصا على الشّرّ للمبشّر به، كما قال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ آل عمران:

21، ومتى أطلق لفظ"البشارة"فإنّما يحمل على الخير، انتهى كلامه.

وتقدّم لنا ما يخالف قوليهما من قول سيبويه وغيره، وأنّ"البشارة"أوّل خبر يرد على الإنسان من خير كان أو شرّ، قالوا: وسمّي بذلك لتأثيره في البشرة، فإن كان خيرا أثّر المسرّة والانبساط، وإن كان شرّا أثّر القبض والانكماش، قال تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ التّوبة: 21، وقال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ* آل عمران: 21، التّوبة: 34، الانشقاق: 24.

وجعل الزّمخشريّ هذا العكس في الكلام الّذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت