فهرس الكتاب

الصفحة 2413 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 592

وقيل: عطف على (فاتّقوا) ، وتغاير المخاطبين لا يضرّ ك يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي يوسف: 29، وترتّبه على الشّرط بحكم العطف باعتبار أنّ (اتّقوا) إنذار وتخويف للكفّار (و بشّر) تبشير للمؤمنين، وكلّ منهما مترتّب على عدم المعارضة بعدم التّحدّي، لأنّ عدم المعارضة يستلزم ظهور إعجازه وهو يستلزم- استيجاب منكره- العقاب ومصدّقه الثّواب، لأنّ الحجّة تمّت والدّعوة كملت، واستيجابهما إيّاهما يقتضي الإنذار والتّبشير، فترتّب الجملة الثّانية على الشّرط ترتّب الأولى عليه بلا فرق.

وقد يقال: إنّ الجزاء (فامنوا) محذوفا، والمذكور قائم مقامه، فالمعنى إن لم تأتوا بكذا فآمنوا وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا* أي فليوجد إيمان منهم وبشارة منك، ووضع الظّاهر موضع الضّمير، وفيه حثّ لهم على الإيمان، ولعلّه أقلّ مؤنة.

واختار صاحب"الإيضاح"عطفه على"أنذر"مقدّرا بعد جملة (اعدّت) . وقيل: عطف على"قل"قبل فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، وتقديره: قبل يا ايها الناس يحوج إلى إجراء مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا على طريقة كلام العظماء. أو تقدير: قال اللّه بعد"قل".

والبشارة بالكسر والضّمّ، اسم من بشر بشرا وبشورا، وتفتح الباء، فتكون بمعنى الجمال.

وفي الفعل لغتان: التّشديد وهي العلياء، والتّخفيف وهي لغة أهل تهامة، وقرئ بهما في المضارع في مواضع، والتّكثير في المشدّد بالنّسبة إلى المفعول، فإنّ واحدا كان فعل فيه مغنيا عن فعل، وفسّروها في المشهور، وصحّح بالخبر السّارّ الّذي ليس عند المخبر علم به.

واشترط بعضهم أن يكون صدقا وعن سيبويه إنّها خبر يؤثّر في البشرة حزنا أو سرورا، وكثر استعماله في الخير، وصحّحه في"البحر"فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ* ظاهر عليه، ومن باب التّهكّم على الأوّل.

والمأمور بالتّبشير البشير النّذير صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم، وقيل: كلّ من يتأتّى منه ذلك، كما في قوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم:"بشّر المشّائين إلى المساجد"الحديث، ففيه رمز إلى أنّ الأمر لعظمته حقيق بأن يتولّى التّبشير به كلّ من يقدر عليه. ويكون هناك مجاز إن كان الضّمير موضوعا لجزئيّ بوضع كلّيّ وإلّا ففي الحقيقة والمجاز كلام في محلّه.

ولم يخاطب المؤمنون كما خوطب الكفرة تفخيما لشأنهم، وإيذانا تامّا بأنّهم أحقّاء بأن يبشّروا ويهنّؤوا بما أعدّ لهم. وقيل: تغيير للأسلوب لتخييل كمال التّباين بين حال الفريقين.

وعندي أنّه سبحانه لمّا كسى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم حلّة عبوديّته، في قوله: مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ناسب أن يطرزها بطراز التّكليف بما يزيد حبّ أحبابه له، فيزدادوا إيمانا إلى إيمانهم، وفي ذلك من اللّطف به صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم، وبهم ما لا يخفى. [و بعد نقل قول أبي السّعود الّذي تقدّم آنفا قال:]

ثمّ لا يخفى أنّ كون مناط البشارة مجموع الأمرين لا يقتضي انتفاء البشارة عند انتفائه، فلا يلزم من ذلك أن لا يدخل بالإيمان المجرّد الجنّة كما هو رأي المعتزلة، على أنّ مفهوم المخالفة ظنّيّ، لا يعارض النّصوص الدّالّة على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت