المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 634
ثانيا: جاء المصدر بلفظ"بشرى"و"بشر"، وفيه بحوث:
1 -قد تقدّم في الأصول اللّغويّة أنّ البشرى مصدر كالرّجعى، بمعنى البشر، أو اسم لما يبشّر به من خير، وقد جاءت (15) مرّة: 5 مرّات معرّفة باللّام (1 - 5) ، و9 مرّات نكرة (6 - 14) ، ومرّة مضافة (15) .
ويستدعي التّأمّل فيها أنّها في الجميع مصدر بمعنى البشارة والتّبشير، وهذا المعنى كالمصرّح به في الآيات الّتي جاءت فيها (بشرى) معطوفة على (هدى) (6) و (10) و (11) و (12) ، من أجل أنّ (هدى) مصدر، فكذلك ما عطف عليه.
نعم قوله: بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ في (18) أيضا كالصّريح في أنّ الجنّات هي المبشّر بها، فهي اسم وليس مصدرا، فيسوغ لنا القول بأنّ (بشرى) في عرف القرآن إذا جاء مضافا فهو اسم لما يبشّر به، وإذا جاء غير مضاف فهو محتمل للأمرين، والغالب عليه هو المصدر.
2 -أمّا وجه التّعريف في الخمس الأولى فيبدو أنّه للعهد الذّهنيّ، ففي (1) إشارة إلى أنّ بشرى المؤمنين في الدّنيا والآخرة معهود معروف، وهو الجنّة في الآخرة والحياة السّعيدة في الدّنيا، وهو الفوز العظيم. وعليه لا يبعد أن تكون"البشرى"هنا اسما لما يبشّر به وليس مصدرا، وهذا الوجه محتمل في (5) أيضا.
أمّا سائر الآيات (2) إلى (4) فكلّها ترجع إلى تبشير إبراهيم بالولد، وكان أمرا معهودا في القرآن، فاللّام فيها للعهد أيضا. والبشرى مصدر، وليس اسما لما بشّر به، لأنّ الرّسل بشّروا بإسحاق، وجاءوا بخبره إلى إبراهيم، كما صرّح به في الآيات، ولم يأتوا بالولد نفسه.
3 -أمّا الفرق بين"البشرى"و"البشر"، فالبشرى إذا جاء مصدرا فهو بمعنى التّبشير، وقد جاء التّبشير والبشرى معا في بشارة إبراهيم وامرأته بالولد، وقد تقدّم، وفيها: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ، إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ،* فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ، وجاء في نفس الآية فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى، فلا ريب أنّ (البشرى) فيها بمعنى التّبشير، إلّا فيما فصّلنا من الآيات أنّها بمعنى ما يبشّر به.
أمّا البشر فهو مصدر من المجرّد، يقال: بشر يبشر بشرا وبشرا وبشرا وبشارة، أي فرح، فالبشر: الفرح والسّرور، وهو لازم، وبهذا جاء في القرآن. وقد يأتي متعدّيا، يقال: بشر فلانا، أي فرّحه، وهو غير التّبشير، أي إخبار الغير بما يسرّه.
4 -والّذي يلفت النّظر أنّ (بشرا) جاء في ثلاث آيات بسياق واحد: إرسال الرّياح بشرا بين يدي رحمته، ومعناها أنّها فرح وسرور للنّاس، لا تبشير وإخبار بما يسرّهم. وعليه ف (المبشّرات) الّتي جاءت في آية واحدة أيضا بمعنى المفرّحات، واللّه أعلم بسرّ كتابه.
5 -وجاء"بشرا"نكرة في تلك الآيات إشعارا بعظيم النّعمة وجزيل المنّة.
ثالثا: جاء البشير (4) مرّات، والمبشّر مفردا وجمعا (10) مرّات، لاحظ الآيات. والبحث هنا في الفرق بينهما، فنقول:
إنّ البشير صفة مشبّهة تدلّ على الاستمرار والثّبوت، وقد تأتي صيغة مبالغة، وبهذا المعنى جاءت