المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 635
صفات اللّه تعالى، حسب ما اختاره الشّيخ محمّد عبده، فإنّها كلّها عنده صيغ مبالغة، أمّا المبشّر فإنّه يعني التّبشير عمليّا. وعليه فالفرق بينهما أنّ"البشير"يعني الطّبيعة المستمرّة للنّبيّ، و"المبشّر"يعني عمليّة التّبشير له. قال الفخر الرّازيّ كما جاء في النّصوص:"النّذير:"
مبالغة في الإنذار بالعقاب على فعل المعاصي .. والبشير:
مبالغة في البشارة بالثّواب"."
فلاحظ الآيات الّتي جاءت بشأن النّبيّ، ففي أربع منها أنّه بشير ونذير، وفي أربع أخرى أنّه مبشّر ونذير بسياق واحد، أي بعد قوله: (ارسلناك) . فاللّفظان يفيدان أنّ النّبيّ كثير التّبشير بطبيعته، وأنّه يتصدّى له عمليّا.
هذا ما يخطر بالبال، إلّا أنّ وحدة السّياق لعلّها تقنعنا بأنّه لا فرق بينهما، وتؤيّده آيات الأنبياء بأنّهم (مبشّرون) و (منذرون) ، فإنّها بسياقها تعني أنّ الأنبياء شأنهم ذلك دائما وبكثرة.
وجدير بالذّكر أنّ كلّا من"المبشّرين"بشأن الأنبياء، و"المبشّر"و"البشير"بشأن النّبيّ، جاء أربعا أربعا، وهذا يعني أنّ تبشير النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله يعادل تبشير الأنبياء قاطبة.
رابعا: جاء التّبشير والإنذار في هذه الآيات الثّماني معا، وكذلك في كثير من آيات التّبشير، سوى القليل، فلاحظ.
وهذا يعني أنّ الأنبياء يبشّرون النّاس بالخيرات، وينذرونهم السّيّئات ولا يكتفون بأحدهما. إذن لا يكفي التّبشير بالخيرات دون الإنذار للشّرور مع شيوع السّيّئات والقبائح بين الأمم وهذا نظير آيات الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فإنّ معظمها جمع فيه الأمران.
خامسا: في معظم آيات التّبشير والإنذار جاء التّبشير مقدّما على الإنذار، كما هو الحال في آيات"المعروف والمنكر"إلّا القليل؛ وذلك لأنّ الأنبياء وكذلك الآمرون بالمعروف والنّاهون عن المنكر ينبغي أن يواجهوا النّاس- قبل تقطيب الوجه بالإنذار للعذاب- بطلاقة الوجه والبشارة بالخير والفلاح، وأن يمثّلوا- أوّلا- أمام النّاس الطّريق الأمثل، ثمّ يحوّلوهم إليه عن السّيّئات والقبائح، ففيه مصلحة نفسيّة وعاطفيّة واجتماعيّة، لاحظ"ع ر ف".
سادسا: هناك آيات متعدّدة جاء فيها التّبشير والإنذار مفردا حسب مقتضى المقام، أو جاء النّذير مقدّما على البشير، كقوله تعالى: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ هود: 2
وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
الأعراف: 188
ولا نعلم وجها لذلك في الأولى سوى أنّ"البشير"فيهما أنسب وأوفق للرّويّ، فقبلها"خبير"وبعدها"كبير"فلفظ"بشير"أقرب إليهما من لفظ"نذير". أمّا في الثّانية فلعلّ المقام اقتضى تقديم"نذير"لصعوبة موقف المخاطبين أمام النّبيّ، أو لأنّ"بشير"أقرب من المؤمنين، فأخّر عن"نذير".
سابعا: قد جاء ضمن آيات"النّبيّ مبشّر ونذير"في