فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 736
ما يملكه، والأوّل هو الأقرب إلى الصّواب.
ج- استبصر: آية واحدة:
وَعادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ العنكبوت: 38.
يلاحظ أوّلا: أنّ الاستبصار في أصل اللّغة فيه معنى الطّلب دون الإبصار، فاستبصر، أي طلب البصيرة، أو اتّضح له الأمر حتّى صار ذا بصيرة. وهذا هو الفارق بين البصير والمستبصر، والأوّل يطلق على اللّه دون الثّاني.
وعند الخليل استبصر في أمر دينه، إذا كان ذا بصيرة، فالمستبصر: طالب البصيرة، كالمستفهم والمستخبر. أو هو ذو البصيرة، قال الرّاغب: يصحّ أن يستعار الاستبصار للإبصار، نحو استعارة الاستجابة للإجابة، لاحظ النّصوص اللّغويّة.
وقد تجلّى المعنيان في تفسير الآية، فالمفسّرون بين من فسّره بالطّالبين للبصيرة، وذوي البصيرة.
ثانيا: هناك خلاف آخر بينهم في أنّ المراد بالآية: أنّ هؤلاء الكفّار كانوا مستبصرين في دينهم، معجبين به ومصرّين عليه، أو أنّهم كانوا عقلاء، متمكّنين من تمييز الحقّ عن الباطل، إلّا أنّهم لم يستثمروا هذه الهبة الإلهيّة، فضلّوا وأضلّوا. وعلى الثّاني فالآية تقيم الحجّة عليهم:
حيث ضلّوا عن الطّريق مع قيام الحجّة عندهم، فتكون مثل: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا النّمل: 14، ومثله كثير في القرآن، ومنها اقتبس صاحب المثنويّ قوله:
چشم باز وگوش باز واين عمى ... حيرتم از چشم بندى خدا
ونحن نختار هذا الوجه، فإنّه ألصق بالسّياق وبكرامة القرآن، وفاقا للطّوسيّ- وهو أوّل من فسّر الآية بذلك- وتبعه كبار المفسّرين، وإلّا فلا وجه للعدول عن البصير إلى المستبصر. وعليه فجملة وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ حاليّة، كفيلة ببيان حالهم حين العدول عن سبيل الحقّ إلى طريق الضّلالة.
ثالثا: حمل الطّباطبائيّ"استبصارهم"على ما كانوا عليه من الفطرة قبل بعثة نوح عليه السّلام، حسب ما فسّر هو كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ البقرة:
213، لاحظ (أ م م) .
ونحن لا نوافقه على قوله، لأنّ ظاهر الآية أنّهم كانوا مستبصرين حال ضلالتهم، لا قبل بعثة نوح.
رابعا: وهنا يطرح هذا السّؤال: ما هو الوجه في مجي ء الكلمة من بابي الاستفعال والتّفعيل: (مستبصرين) و (يبصّرونهم) مرّة واحدة في القرآن مع كثرتها فيه من بابي المجرّد والإفعال؟ فهل مردّ ذلك إلى قلّة استعمالها لهما عند العرب عامّة وفي مكّة خاصّة؟ والعنكبوت والمعارج مكّيّتان، أوله سرّ آخر! ربّما يكشف يوما مّا.
3 -بصير: جاء (42) مرّة وصفا للّه، و (9) مرّات وصفا للنّاس:
أ- وصف اللّه: بصير بما تعملون أو يعملون:
1 -وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ البقرة: 96