فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 735
نهاره صائم وليله قائم. أو بوضع السّبب موضع المسبّب مبالغة، كقولهم: ليل أعمى. أو أنّ مبصرا جاء بمعنى ذي إبصار، كقولهم: أضاء النّهار وأظلم اللّيل، أي صارا ذا ضياء وظلمة، ومآل الكلّ إلى أمر واحد، وهو المجاز في الإسناد.
وأحسن ما قيل فيه قول الشّريف الرّضيّ، حيث قال: وهذه استعارة عجيبة وذلك أنّه سبحانه إنّما سمّى النّهار مبصرا لأنّ النّاس يبصرون فيه، فكان ذلك صفة الشّي ء بما هو سبب له على طريق المبالغة، كما قالوا: ليل أعمى وليلة عمياء، إذا لم يبصر النّاس فيها شيئا لشدّة ظلامها وسقوط أكثافها.
وهناك وجه آخر، وهو أنّ"مبصرا"جاء بمعنى مبصّرا، أي جعله يبصر، والنّهار يجعل الإنسان يبصر الأشياء، ومثله النّاقة- وهي معجزة- في الآيتين (29) و (30) ، لأنّها تجعل النّاس يبصرون، أي يعلمون الحقّ.
وكيف كان، فالمراد بالإبصار في الأخيرتين (31) و (32) رؤية القلب، لوضوح الحقّ والبرهان، وفي الباقي رؤية البصر.
ب- بصّر: آية واحدة: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا* يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ المعارج: 10، 11
يلاحظ أوّلا: أنّ (يبصّرونهم) بالبناء للمفعول، ومصدره التّبصير، وهو الإراءة والتّعريف والإيضاح، وجعل الشّي ء بحيث يبصره الغير. وهو متعدّ إلى مفعولين، والمفعول الأوّل هنا"الواو والنّون"، قام مقام الفاعل، والمفعول الثّاني الضّمير"هم".
ثانيا: قد اختلفوا في تعيين الفاعل والمفعولين، أمّا الفاعل فقيل: هو اللّه أو الملائكة، أي اللّه أو الملائكة يعرّفونهم لهم. والصّواب أنّ الفاعل في مثل هذا السّياق ليس ملحوظا. أمّا المفعولان فقيل: يرجع إلى حَمِيمٌ حَمِيمًا، أي أنّ كلّ حميم يرى ويعرف حميمه، وهو الأقرب من الصّواب والمتبادر إلى الذّهن. وجاء الضّميران بلفظ الجمع، لأنّ المراد بالحميمين الجمع دون الآحاد.
ومعنى الآية على هذا أنّ كلّ حميم لا يسأل ولا يحدّث حميمه، إلّا أنّه ليس من أجل أنّهم لا يتعارفون ولا يعرف بعضهم بعضا، أو لا يبصرونهم، كلّا، بل يبصر ويعرف بعضهم بعضا، إلّا أنّ بعضهم يفرّ من بعض، كما قال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ عبس 34 - 37. واختار هذا الوجه الطّوسيّ وأكابر المفسّرين بعده إلى الطّباطبائيّ.
وقيل: يعرف المؤمنون الكفّار، أو الأقرباء بعضهم بعضا، أو أتباع الضّلالة رؤساءهم ونحوهما، وهذه الأقوال بعيدة عن السّياق ولا شاهد عليها.
ثالثا: اختلفوا في موضع (يبصّرونهم) ، فالأكثر على أنّه كلام مستأنف متعلّق بما قبله، جواب سؤال مقدّر نشأ من قوله: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا، كأنّه قيل: لماذا يتساءلون؟ هل هم لا يرونهم ولا يعرفونهم؟ بلى، يبصرونهم ويعرفونهم، إلّا أنّهم يفرّون منهم.
وقيل: إنّه متعلّق بما بعده، أي أنّ المجرمين يبصرون المؤمنين حال أنّ أحدهم يودّ أن يفدي نفسه بكلّ