فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 734
ضمير مستتر راجع إلى"ما"مع ضمير المفعول.
وخالفهم الكوفيّون واحتجّوا عليهم بعشر حجج، ذكرها الإمام الفخر الرّازيّ (5: 32) عند قوله تعالى:
فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ البقرة: 175، فلاحظ.
والكلام هنا في"أفعل به"من (ب ص ر) و (س م ع) ، فالمشهور عند البصريّين أنّه فعل ماض على سورة الأمر، والمجرور بالباء الزّائدة هو فاعله، وأصله في:
أحسن بزيد! أحسن زيد، أي صار ذا حسن، ثمّ أرادوا أن يدلّوا به على إنشاء التّعجّب، فحوّلوا الفعل إلى صورة الأمر، ليكون بصورة الإنشاء، ثمّ أرادوا أن يسندوه إلى زيد، فاستقبحوا إسناد صورة الأمر إلى الاسم الظّاهر، فزادوا الباء، ليكون على صورة الفضلة، نحو:"امرر بزيد". كذا في هامش شرح ابن عقيل، تصحيح محمّد محيي الدّين عبد الحميد (2: 148) .
وأمّا الكلام في الآيتين فقد جمع اللّه فيهما بين السّمع والبصر، كغيرهما من الآيات السّابقة مع تفاوت، وهو تقديم البصر على السّمع في (24) ، وتأخيره عنه في (25) ، وهذا نصّ الآيتين:
1 -قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا الكهف: 26
2 -فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ* أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
مريم: 37، 38
فما سرّ هذا التّقديم والتّأخير؟
لم نطّلع على كلام من المفسّرين في ذلك، والّذي يخطر بالبال أنّ الآية الأولى جاءت تلو الاختلاف في شأن أصحاب الكهف"كم لبثوا في كهفهم"؟ فقال تعالى:
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ. فعدد السّنين هو محطّ البصر والسّمع، إلّا أنّه إلى البصر أقرب من السّمع؛ فقدّم عليه، والمراد بهما العلم الكامل، كما قال: لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
وأمّا الآية الثّانية فجاءت في اختلاف الأحزاب بينهم في شأن عيسى عليه السّلام، ولم يستمعوا إلى القول الحقّ الّذي فيه يمترون، فأنذرهم اللّه بمشهد يوم عظيم، وهو يوم القيامة، وأعلن أنّهم يومئذ يسمعون ويبصرون كلّ شي ء جيّدا، وإن أبوا السّمع والبصر في الدّنيا، فقد قدّم"اسمع بهم"ردّا على إبائهم استماع الحقّ في الدّنيا. وضمّ إليه (أبهر) لأنّ الجملتين معا تعبير شائع عن المعرفة التّامّة.
رابعا: المبصر اسم فاعل من"أبصر"، ومعناه الرّائي عينا أو قلبا، وبهذا المعنى جاء في (26) : تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ، لكنّه جاء في القسم الأخير بمعنى الأمر الجليّ حسّا وصفا للنّهار في (27) إلى (30) ، ووصفا للآيات وللنّاقة بمعنى الجليّ معنى في (31) و (32) .
والسّرّ فيه- كما جاء في النّصوص- أنّه مجاز، إمّا بوضع المفعول موضع الفاعل، لأنّ النّهار لا يبصر ولكنّه يبصر فيه، فهو من قبيل عِيشَةٍ راضِيَةٍ القارعة: 7، أي مرضيّة، أو أنّه إسناد مجازيّ، فأسند الإبصار إلى النّهار بدل الإنسان، وهو شائع في كلام العرب، كقولهم: