فهرس الكتاب

الصفحة 2630 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 809

8 -وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا ق: 36

يلاحظ أوّلا: أنّ بطش اللّه هو مؤاخذته ومجازاته للمستحقّين لها إمّا في الآخرة: (1) و (2) ، أو في الدّنيا:

(3) ، لأنّ ما قبلها في قوم نوح: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا، فليس فيها تجاوز وظلم، بل كلّها عدل.

بخلاف بطش النّاس، فإنّه في الدّنيا وباليد غالبا، وقد صرّح به في (6) : أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها، أو ما يعمّ اليد، كما هو ظاهر سائر الآيات، وليس فيه مجازاة، بل كلّها تجاوز وظلم وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، وسياقها ذمّ.

ثانيا: سياق الآيات إضافة إلى لفظ"البطش"تجسيم وتصوير للشّدّة في الموردين: (البطشة الكبرى) ، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ، وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا، بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا.

ثالثا: جاء في اللّه"البطشة"اسم مصدر مرّتين: (1) و (3) ، والمراد بها ما عاقبهم اللّه به، و"بطش"مصدرا مرّة في (2) ، وفي النّاس مصدرا مرّتين بسياق واحد: أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا.

رابعا: جاء للّه فعلا مضارعا مرّة: يَوْمَ نَبْطِشُ، وللنّاس فعلا ماضيا مرّتين: وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ، ومضارعا مرّتين: فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ، أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها، فنسب البطش إلى اللّه فعلا ومصدرا واسم مصدر أربعا، وإلى النّاس فعلا ومصدرا ستّا، مع البون الشّاسع بينهما، فإنّ بطش الرّبّ- كما سبق- مجازاة وعدل، وهو مجاز، وبطش النّاس تجاوز وظلم، وهو حقيقة.

خامسا: جاء"الأخذ"في القرآن مكان"البطش"منسوبا إلى اللّه بكثرة في الدّنيا، مثل: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ هود: 102، أو إلى"العذاب"مثل وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ هود: 94، فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ الأعراف: 78. وفي الدّنيا والآخرة، مثل: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى النّازعات: 25.

وكذلك"المؤاخذة"في الدّنيا، مثل: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ النّحل: 61، وفي الآخرة، مثل: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا البقرة: 286. ولم يرد"الأخذ"في القرآن بهذا المعنى منسوبا إلى النّاس، فهذا فارق بين"البطش"و"الأخذ"في عرف القرآن.

وهناك فرق آخر، وهو أنّ"البطش"أخذ فيه القوّة والشّدّة كما سبق، أمّا"الأخذ"و"المؤاخذة"فمطلق غير محدّد بهما، اللّهمّ إلّا أن يدلّ عليه السّياق، مثل: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ هود: 102.

وقد اجتمع"الأخذ"منسوبا إلى اللّه، مع"القوّة"منسوبة إلى النّاس في قوله تعالى: أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ المؤمن: 21، لاحظ"أ خ ذ"والآيات في"المعجم المفهرس".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت