فهرس الكتاب

الصفحة 2646 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 825

جديدة.

ويدخل في هذا الباب التّعدّي على النّاس بغصب المنفعة، بأن يسخّر بعضهم بعضا في عمل لا يعطيه عليه أجرا، أو ينقصه من الأجر المسمّى أو أجر المثل، ويدخل فيه سائر ضروب التّعدّي والغشّ والاحتيال.

كما يقع من السّماسرة فيما يذهبون فيه من مذاهب التّلبيس والتّدليس؛ إذ يزيّنون للنّاس السّلع الرّديئة، والبضائع المزجاة، ويسوّلون لهم فيورّطونهم، وكلّ من باع أو اشترى مستعينا بإيهام الآخر ما لا حقيقة له ولا صحّة؛ بحيث لو عرف الخفايا وانقلب وهمه علما لما باع أو لما اشترى، فهو آكل لماله بالباطل.

ومن هؤلاء الموهمين باعة التّولات والتّناجيس والتّمائم، وكذا العزائم وختمات القرآن والعدد المعلوم من سورة (يس) أو بعض الأذكار.

وقد بلغ من هزؤ هؤلاء بالدّين أن كان بعض المشهورين منهم يبيع سورة (يس) لقضاء الحاجات أو لرحمة الأموات، يقرؤها مرّات كثيرة، ويعقد لكلّ مرّة عقدة في خيط يحمله حتّى إذا ما جاءه طالب ابتياع القراءة وأخذ منه الثّمن بعد المساومة، يحلّ له من تلك العقد، بقدر ما يطلب من العدد.

ذكر هذه الواقعة الأستاذ الإمام في الدّرس، وقد كنّا نسمع عن رؤساء بعض النّصارى نحو هذا في بيع العبادة الّتي يسمّونها القداديس فنسخر منهم، حتّى علمنا أنّنا قد اتّبعنا سنّتهم شبرا بشبر، حتّى دخلنا في جحر الضّبّ الّذي دخلوه.

قال الأستاذ: إن كلّ أجر يؤخذ على عبادة فهو أكل لأموال النّاس بالباطل، وقد مضى الصّدر الأوّل ولم يكن أخذ الأجر على عبادة ما معروفا، ولا يوجد في كلام أهل القرن الأوّل والثّاني كلمة تشعر بذلك، ثمّ لا يعقل أن تحقّق العبادة وتحصل بالأجرة، لأنّ تحقّقها إنّما يكون بالنيّة وإرادة وجه اللّه تعالى وابتغاء مرضاته بامتثال أمره، ومتى شاب هذه النّيّة شائبة من حظّ الدّنيا خرج العمل عن كونه عبادة خالصة للّه، واللّه تعالى لا يقبل إلّا ما كان خالصا من الحظوظ والشّوائب.

أقول: وقد ورد على لسان الشّارع تسمية مثل هذا العمل"شركا"ففي حديث مسلم وغيره، قال اللّه تعالى:

أنا أغنى الشّركاء عن الشّرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه، إذا كان يوم القيامة أتي بصحف مختمة، فتنصبّ بين يدي اللّه تعالى، فيقول اللّه لملائكته: اقبلوا هذا وألقوا هذا، فتقول الملائكة: وعزّتك ما رأينا إلّا خيرا، فيقول: نعم، لكن كان لغيري، ولا أقبل اليوم إلّا ما ابتغي به وجهي. وفي رواية يقولون: ما كتبنا إلّا ما عمل ... إلخ.

وفي حديث أحمد والتّرمذيّ وابن ماجة: إذا جمع اللّه الأوّلين والآخرين ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله للّه أحدا فليطلب ثوابه من عنده، فإنّ اللّه أغنى الشّركاء عن الشّرك.

وإنّما يظهر تأويل مثل هذا فيمن قصد العبادة والأجر معا؛ بحيث لو لم يستأجر للقراءة مثلا لقرأ. وأمّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت