فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 848
وهو خلاف الظّاهر، والسّياق يقتضي أنّها في الكفرة مطلقا وبرّهم كما قلنا، ومن هنا اشتهر أنّ الكافر يعجل له ثواب أعماله في الدّنيا بتوسعة الرّزق وصحّة البدن وكثرة الولد ونحو ذلك، وليس لهم في الآخرة من نصيب.
لكن ذهب جماعة إلى أنّه يخفّف بها عنه عذاب الآخرة، ويشهد له قصّة أبي طالب.
وذهب آخرون إلى أنّ ما يتوقّف على النّيّة من الأعمال لا ينتفع الكافر به في الآخرة أصلا لفقدان شرطه؛ إذ لم يكن من أهل النّيّة لكفره، وما لا ينتفع به ويخفّف به عذابه، وبذلك يجمع بين الظّواهر المقتضي بعضها للانتفاع في الجملة وبعضها لعدمه أصلا فتدبّر.
رشيد رضا: أي وباطل في نفسه ما كانوا يعملونه في الدّنيا، لأنّه لا ثمرة له ولا أجر في الآخرة، وإنّما الأعمال بمقاصدها، والنّتائج تابعة لمقدّماتها، فإن كان في عملهم خير ونيّة حسنة يجازون عليه في الدّنيا.
قال تعالى في تفصيل هذا الإجمال: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا الإسراء: 18، وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا الإسراء: 19، كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا الإسراء: 20، انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا الإسراء: 21.
وقال معلّم الخير الأعظم صلّى اللّه عليه وسلّم:"إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئ مانوى، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه". رواه البخاريّ في سبعة مواضع من صحيحه مختلفة الألفاظ، ومسلم وغيرهما، من حديث عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.
الدّين يبيح الطّيّبات من المآكل والمشارب غير الضّارّة، ويبيح الزّينة في غير إسراف ولا خيلاء، وإنّما يذمّ من يحتقر المواهب الإنسانيّة من عقليّة وروحانيّة، فيجعل كلّ همّه وحظّه من وجوده في الشّهوات الحيوانيّة الّتي تفضله بها الأنعام والحشرات، فيفضله الثّور في كثرة الأكل، والبعير في كثرة الشّرب، والعصفور في كثرة السّفاد، والطّاووس في زينة الألوان ولمعان اللّباس.
ومن اختبر أهل أمصارنا في هذا العصر علم من إسرافهم في هذه الشّهوات والزّينة، ما هو مفسد لصحّتهم وأخلاقهم وبيوتهم، حتّى نسائهم وأطفالهم، وما حق لثروتهم، ومضعف لأمّتهم ودولتهم، وما بعد ذلك إلّا إضاعة آخرتهم.
وترى مع هذا أنّ حكومتهم ومدارسهم لا تقيم للتّربية الدّينيّة وزنا، وتجعل الصّلاة الّتي هي عماد الدّين اختياريّة، لا يلزمها أحد من معلّميها، ولا من تلاميذها.
ومن العجيب أن تختلف الرّوايات في الآيتين، هل نزلتا في المشركين أم في كفّار أهل الكتاب أم في المنافقين؟ وما نزلتا منفردتين في طائفة خاصّة، بل في ضمن سورة مكّيّة؛ حيث لا منافقون ولا أهل كتاب،