فهرس الكتاب

الصفحة 2668 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 847

أشار هو إليه، وفي الجملة تصريح باستمرار بطلان تلك الإرادة، وشرح حالها بعد شرح حال المريد وشرح أعماله، أراد بها الحياة الدّنيا وزينتها.

وأيّا مّا كان فالظّاهر أنّ (باطل) خبر مقدّم، و (ما كانوا) هو المبتدأ. وجوّز في"البحر"كون (باطل) خبرا بعد خبر، و (ما) مرتفعة به على الفاعليّة.

وقرئ (و بطل) بصيغة الفعل، أي ظهر بطلانه حيث علم هناك أنّ ذاك وما يستتبعه من الحظوظ الدّنيويّة ممّا لا طائل تحته، أو انقطع أثره الدّنيويّ فبطل مطلقا.

وقرأ أبيّ، وابن مسعود (و باطلا) بالنّصب، ونسب ذلك إلى عاصم، وخرّجه صاحب"اللّوامح"على أنّ (ما) سيف خطيب، (و باطل) مفعول ل (يعملون) وفيه تقديم معمول (كان) ، وفيه- كتقديم الخبر- خلاف. والأصحّ الجواز لظاهر قوله تعالى: أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ سبأ: 40، ومن منع تأوّل.

وجوّز أن يكون منصوبا ب (يعملون) و (ما) إبهاميّة صفة له، أي باطلا أيّ باطل، ونظير ذلك حديث"ما"على قصره: ولأمر ما جدع قصير أنفه.

وأن يكون مصدرا بوزن"فاعل"وهو منصوب بفعل مقدّر، و (ما) اسم موصول فاعله، أي بطل بطلانا الّذي كانوا يعملونه، ونظيره"خارجا"في قول الفرزدق:

ألم ترني عاهدت ربّي وأنّني ... لبين رتاج قائما ومقام

عليّ حلفة لا أشتم الدّهر مسلما ... ولا خارجا من فيّ زور كلام

فإنّه أراد: ولا يخرج من فيّ زور كلام خروجا، وفي ذلك على ما في"البحر"إعمال المصدر الّذي هو بدل من الفعل في غير الاستفهام والأمر.

هذا، والظّاهر أنّ الآية في مطلق الكفرة الّذين يعملون البرّ، لا على الوجه الّذي ينبغي.

وأخرج ابن جرير وابن حاتم وغيرهما عن أنس رضي اللّه تعالى عنه أنّها نزلت في اليهود والنّصارى.

ولعلّ المراد- كما قال ابن عطيّة- أنّهم سبب النّزول، فيدخلون فيها، لا أنّها خاصّة بهم ولا يدخل فيها غيرهم.

وقال الجبّائيّ: هي في الّذين جاهدوا من المنافقين مع رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم، جعل اللّه تعالى حظّهم من ذلك سهمهم في الغنائم، وفيه أنّ ذلك إنّما كان بعد الهجرة، والآية مكّيّة.

وقيل: في أهل الرّياء، يقال لقارئ القرآن منهم:

أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل: اذهب فليس لك عندنا شي ء، وهكذا لغيره من المتصدّق، والمقتول في الجهاد، وغيرهما ممّن عمل من أعمال البرّ لا لوجه اللّه تعالى.

وربّما يؤيّد ذلك ما روي عن معاوية حين حدّثه أبو هريرة بما تضمّن ذلك فبكى، وقال: صدق اللّه ورسوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ... هود: 15، إلى قوله سبحانه:

وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.

وعليه فلابدّ من تقييد قوله عزّ وجلّ: لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ... هود: 16، بأن ليس لهم بسبب أعمالهم الرّيائيّة إلّا ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت