فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 21
قال: ولم إذا رأيت العلامة لا تتّبعه؟ قال: أما رأيت ما فعل بنا هؤلاء القوم، أكرمونا وموّلونا ونصبوا لنا الكنائس، وأعلوا فيه ذكرنا، فكيف تطيب النّفس بالدّخول في دين يستوي فيه الشّريف والوضيع، فلمّا قدموا المدينة قال من رآهم من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: ما رأينا وفدا من وفود العرب كانوا أجمل منهم، لهم شعور وعليهم ثياب الحبر، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله متناء عن المسجد. فحضرت صلاتهم، فقاموا فصلّوا في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله تلقاء المشرق، فلمّا قضوا صلاتهم جلسوا إليه وناظروه.
فقالوا: يا أبا القاسم حاجّنا في عيسى، قال: هو عبد اللّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فقال أحدهما: بل هو ولده وثاني اثنين، وقال آخر: بل هو ثالث ثلاثة: أب وابن وروح القدس، وقد سمعناه في قرآن نزل عليك يقول: فعلنا وجعلنا وخلقنا، ولو كان واحدا لقال: خلقت وجعلت وفعلت. فتغشّى النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله الوحي فنزل عليه صدر سورة آل عمران إلى قوله رأس السّتّين، منها: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ... إلى آخر الآية، فقصّ عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله القصّة وتلا عليهم القرآن، فقال بعضهم لبعض: قد واللّه أتاكم بالفصل من خبر صاحبكم.
فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: إنّ اللّه عزّ وجلّ قد أمرني بمباهلتكم، فقالوا: إذا كان غدا باهلناك، فقال القوم بعضهم لبعض: حتّى ننظر بما يباهلنا غدا بكثرة أتباعه من أوباش النّاس، أم بأهله من أهل الصّفوة والطّهارة؟
فإنّهم وشيج الأنبياء وموضع نهلهم.
فلمّا كان من غد غدا النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بيمينه عليّ عليه السّلام وبيساره الحسن والحسين عليهما السّلام ومن ورائهم فاطمة عليها السّلام، عليهم النّمار النّجرانيّة، وعلى كتف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كساء قطوانيّ رقيق خشن ليس بكثيف ولا ليّن، فأمر بشجرتين فكسح ما بينهما ونشر الكساء عليهما، وأدخلهم تحت الكساء، وأدخل منكبه الأيسر معهم تحت الكساء، معتمدا على قوسه النّبع، ورفع يده اليمنى إلى السّماء للمباهلة.
واشرأبّ النّاس ينظرون، واصفرّ لون السّيّد والعاقب، وكرّا حتّى كاد أن يطيش عقولهما، فقال أحدهما لصاحبه: أنباهله؟ قال: أو ما علمت أنّه ما باهل قوم قطّ نبيّا فنشأ صغيرهم أو بقي كبيرهم، ولكن أره أنّك غير مكترث وأعطه من المال والسّلاح ما أراد، فإنّ الرّجل محارب، وقل له: أبهؤلاء تباهلنا، لئلّا يرى أنّه قد تقدّمت معرفتنا بفضله وفضل أهل بيته.
فلمّا رفع النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله يده إلى السّماء للمباهلة قال أحدهما لصاحبه: وأيّ رهبانيّة؟! دارك الرّجل، فإنّه إن فاه ببهلة لم نرجع إلى أهل ولا مال، فقالا: يا أبا القاسم أبهؤلاء تباهلنا؟ قال: نعم، هؤلاء أوجه من على وجه الأرض بعدي إلى اللّه عزّ وجلّ وجهة، وأقربهم إليه وسيلة، قال: فبصبصا يعني ارتعدا وكرّا، وقالا له:
يا أبا القاسم نعطيك ألف سيف وألف درع وألف حجفة وألف دينار كلّ عام، على أنّ الدّرع والسّيف والحجفة عندك إعارة حتّى يأتي من وراءنا من قومنا، فنعلمهم بالّذي رأينا وشاهدنا، فيكون الأمر على ملاء منهم، فإمّا