فهرس الكتاب

الصفحة 2745 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 38

واتّفقت الرّواية وأيّده التّاريخ: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حضر للمباهلة ولم يحضر معه إلّا عليّ وفاطمة والحسنان عليهم السّلام، فلم يحضر لها إلّا نفسان وابنان وامرأة واحدة، وقد امتثل أمر اللّه سبحانه فيها.

على أنّ المراد من لفظ الآية أمر، والمصداق الّذي ينطبق عليه الحكم بحسب الخارج أمر آخر، وقد كثر في القرآن الحكم أو الوعد والوعيد للجماعة؛ ومصداقه بحسب شأن النّزول واحد، كقوله تعالى: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ المجادلة:

2، وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا المجادلة: 3، وقوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ آل عمران: 181، وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ البقرة: 219؛ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الّتي وردت بلفظ"الجمع"ومصداقها بحسب شأن النّزول"مفرد".

قوله تعالى: ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ الابتهال: من البهلة بالفتح والضّمّ، وهي اللّعنة. هذا أصله ثمّ كثر استعماله في الدّعاء والمسألة إذا كان مع إصرار وإلحاح.

وقوله: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ، كالبيان للابتهال، وقد قيل: فنجعل، ولم يقل: فنسأل، إشارة إلى كونها دعوة غير مردودة؛ حيث يمتاز بها الحقّ من الباطل، على طريق التّوقّف والابتناء.

وقوله: (الْكاذِبِينَ) مسوق سوق العهد دون الاستغراق أو الجنس؛ إذ ليس المراد جعل اللّعنة على كلّ كاذب أو على جنس الكاذب بل على الكاذبين الواقعين في أحد طرفي المحاجّة الواقعة بينه صلّى اللّه عليه وآله وبين النّصارى؛ حيث قال صلّى اللّه عليه وآله: إنّ اللّه لا إله غيره وإنّ عيسى عبده ورسوله، وقالوا: إنّ عيسى هو اللّه أو إنّه ابن اللّه أو إنّ اللّه ثالث ثلاثة.

وعلى هذا فمن الواضح أن لو كانت الدّعوى والمباهلة عليها بين النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وبين النّصارى، أعني كون أحد الطّرفين مفردا والطّرف الآخر جمعا، كان من الواجب التّعبير عنه بلفظ يقبل الانطباق على المفرد والجمع معا، كقولنا: فنجعل لعنة اللّه على من كان كاذبا، فالكلام يدلّ على تحقّق كاذبين، بوصف الجمع في أحد طرفي المحاجّة.

والمباهلة على أيّ حال: إمّا في جانب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وإمّا في جانب النّصارى، وهذا يعطي أن يكون الحاضرون للمباهلة شركاء في الدّعوى، فإنّ الكذب لا يكون إلّا في دعوى، فلمن حضر مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، وهم عليّ وفاطمة والحسنان عليهم السّلام شركة في الدّعوى والدّعوة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله. وهذا من أفضل المناقب الّتي خصّ اللّه به أهل بيت نبيّه عليهم السّلام، كما خصّهم باسم الأنفس والنّساء والأبناء لرسوله صلّى اللّه عليه وآله من بين رجال الأمّة ونسائهم وأبنائهم.

فإن قلت: قد مرّ أنّ القران يكثر إطلاق لفظ"الجمع"في مورد المفرد، وأنّ إطلاق النّساء في الآية مع كون من حضرت منهنّ للمباهلة منحصرة في فاطمة عليها السّلام، فما المانع من تصحيح استعمال لفظ الكاذبين بهذا النّحو؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت