فهرس الكتاب

الصفحة 2744 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 37

بكذبه. وهذه الكلمة هي لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ولكنّها تقترن بمعجزة خارقة، دونها معجزات المسيح مجتمعة؛ حيث تنهال على رأس الكاذب صاعقة من السّماء، تملأ الأرض عليه نارا.

وقد تواترت الرّوايات في كتب الحديث والتّفسير، ومنها صحيح مسلم والتّرمذيّ، وتفسير الطّبريّ، والرّازيّ، والبحر المحيط، وغرائب القرآن، وروح البيان، والمنار، والمراغيّ، وغيرها كثير، تواترت الرّوايات أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله خرج، وعليه مرط- أي كساء غير مخيط- أسود، وقد احتضن الحسين، وأخذ بيد الحسن، وفاطمة وعليّ يمشيان خلفه، وهو يقول: إذا دعوت فأمّنوا، فقال الرّئيس الدّينيّ للوفد: يا معشر النّصارى إنّي لأرى وجوها لو دعت اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا، ثمّ قال:

يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك. فقال لهم: أسلموا فأبوا، ثمّ صالحهم على أن يؤدّوا الجزية.

وعاد الوفد مخذولا مرذولا، يجرّ وراءه ثوب الفشل والخزي، وآمن بعد هذه المباهلة كثير من الّذين لم يكونوا قد آمنوا بعد، كما ازداد المؤمنون إيمانا وتسليما.

الطّباطبائيّ: قوله تعالى: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ المتكلّم مع الغير في قوله: (نَدْعُ) ، غيره في قوله: (أَبْناءَنا) و (نِساءَنا) و (أَنْفُسَنا) فإنّه في الأوّل مجموع المتخاصمين من جانب الإسلام والنّصرانيّة، وفي الثّاني وما يلحق به من جانب الإسلام، ولذا كان الكلام في معنى قولنا: ندع الأبناء والنّساء والأنفس، فندعو نحن أبناءنا ونساءنا وأنفسنا، وتدعون أنتم أبناءكم ونساءكم وأنفسكم، ففي الكلام إيجاز لطيف.

والمباهلة والملاعنة وإن كانت بحسب الظّاهر كالمحاجّة بين رسول اللّه وبين رجال النّصارى، لكن عمّمت الدّعوة للأبناء والنّساء ليكون أدلّ على اطمينان الدّاعي بصدق دعواه، وكونه على الحقّ لما أودعه اللّه سبحانه في قلب الإنسان من محبّتهم والشّفقة عليهم، فتراه يقيهم بنفسه، ويركب الأهوال والمخاطرات دونهم، وفي سبيل حمايتهم والغيرة عليهم والذّبّ عنهم، ولذلك بعينه قدّم الأبناء على النّساء، لأنّ محبّة الإنسان بالنّسبة إليهم أشدّ وأدوم.

ومن هنا يظهر فساد ما ذكره بعض المفسّرين: أنّ المراد بقوله: نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ إلخ، ندع نحن أبناءكم ونساءكم وأنفسكم، وتدعوا أنتم أبناءنا ونساءنا وأنفسنا؛ وذلك لإبطاله ما ذكرناه من وجه تشريك الأبناء والنّساء في المباهلة.

وفي تفصيل التّعداد دلالة أخرى على اعتماد الدّاعي وركونه إلى الحقّ، كأنّه يقول: ليباهل الجمع الجمع فيجعل الجمعان لعنة اللّه على الكاذبين حتّى يشمل اللّعن والعذاب الأبناء والنّساء والأنفس، فينقطع بذلك دابر المعاندين، وينبت أصل المبطلين.

وبذلك يظهر أنّ الكلام لا يتوقّف في صدقه على كثرة الأبناء ولا على كثرة النّساء ولا على كثرة الأنفس، فإنّ المقصود الأخير أن يهلك أحد الطّرفين بمن عنده من صغير وكبير، وذكور وإناث، وقد أطبق المفسّرون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت