فهرس الكتاب

الصفحة 2743 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 36

ما بين يديه من قرآن هو من عند اللّه.

وأخذ النّبيّ- كما أمره اللّه- الطّريق عليهم، فدعاهم إلى أن يدخلوا معه في تجربة عمليّة، هي أبلغ من كلّ قول، وأقوى من كلّ حجّة، تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ آل عمران: 61.

ولقد خرج النّبيّ الكريم بنفسه، وبابنته فاطمة، وولديها الحسن والحسين، وبنسائه جميعا، وطلب إلى هذا الوفد أن يلقوه بأنفسهم، وبأبنائهم وبنسائهم، وأن يبتهلوا جميعا- هو ومن معه، وهم ومن معهم- إلى اللّه:

أن يجعل لعنته على الكاذب من الفريقين، فيما يقول عن عيسى من مقولات!

وتدبّر الوفد الأمر فيما بينهم، وأداروه على جميع وجوهه، ونظروا إلى أنفسهم، وإلى أبنائهم ونسائهم، فرأوا أنّ الأمر قد صار إلى الجدّ، وأنّهم مبتلون في أنفسهم وأهليهم. وهنا أعادوا النّظر فيما بين أيديهم من أمر المسيح، فرأوا أنّ حجّتهم واهية، وأنّ يقينهم الّذي استيقنوه منه مشوب بشكّ يكاد يغلب هذا اليقين، وبدا لهم أنّ مصرعهم وشيك هم وأهليهم إن هم باهلوا النّبيّ، وأنّ دعوتهم على أنفسهم باللّعنة إن أخطأتهم، فلن تخطئهم دعوة النّبيّ الّتي لا تردّ. فتركوا ما جاءوا له، وعادوا من حيث أتوا، وفي قلب كلّ منهم وسواس، وفي كيانه صراع عاصف، بين الحقّ الّذي رآه، والباطل الّذي يعيش فيه. (2: 483)

محمّد جواد مغنيّة: هذه هي الآية المعروفة بآية المباهلة، وهي من أمّهات الكتاب.

والقصد الأوّل من هذه الآية الكريمة العظيمة هو تدعيم الدّين الحنيف، وإثبات الرّسالة المحمّديّة الإنسانيّة، بطريق لا عهد به للعلم والعلماء، ولا يقدر عليه أحد على الإطلاق سوى خالق الأرض والسّماء، ومع ذلك يفهمه بسهولة ويسر الجاهل والعالم ...

ترتبط هذه الآية بالسّنة التّاسعة لهجرة الرّسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله إلى المدينة، وهي السّنة المعروفة بعام الوفود، لأنّ النّاس توافدت فيه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من شتّى بقاع الجزيرة العربيّة، يخطبون ودّه بعد أن أعلى اللّه كلمة الإسلام ونصر المسلمين على أعداء الدّين. [ثمّ نقل القصّة نحو ما سبق عن ابن إسحاق بإيجاز، إلى أن قال:]

وصدق هذه الرّواية لا يحتاج إلى دليل، لأنّها بنفسها تدلّ على صدقها، وتحمل قياسها معها، كما يقول أهل المنطق: إنّ أكثر الّذين أنكروا الحقّ وعاندوه كان الدّافع إلى موقفهم المصالح الخاصّة، والمنافع الشّخصيّة، كما شرحنا ذلك مفصّلا عند الآية (54) من هذه السّورة، فقرة"الحقّ وأرباب المنافع".

ناظر الرّسول وفد نجران في صفات عيسى، وجادلهم بالحجّة الدّامغة، والمنطق السّليم بما لا يقبل المزيد. ولمّا أصرّوا على العناد قطع الكلام معهم، وأنهى المناظرة، ودعاهم إلى ما لا يشبه شيئا، ولا يشبهه شي ء من الحجاج والنّقاش، ولكنّه يحسم الموقف بسرعة، ويستأصل النّزاع من الجذور. دعاهم إلى التّفوّه بكلمة واحدة فقط لا يقدم عليها في تلك اللّحظة إلّا من كان على يقين من صدقه، ولا يحجم عنها إلّا من كان عالما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت