فهرس الكتاب

الصفحة 2747 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 40

كانت قائمة بمن أتى به منهم كقيامها بنفسه الشّريفة، لم يكن لإتيانه بهم وجه. فإتيانه بهم من جهة انحصار من هو قائم بدعواه من الأبناء والنّساء والأنفس بهم، لا من جهة الإتيان بالأنموذج، فقد صحّ أنّ الدّعوى كانت قائمة بهم كما كانت قائمة به.

ثمّ إنّ النّصارى إنّما قصدوه صلّى اللّه عليه وآله لا لمجرّد أنّه كان يرى أنّ عيسى بن مريم عليه السّلام عبد اللّه ورسوله ويعتقد ذلك، بل لأنّه كان يدّعيه ويدعوهم إليه؛ فالدّعوة هي السّبب العمدة الّتي بعثهم على الوفود والمحاجّة. فحضوره وحضور من حضر معه للمباهلة لمكان الدّعوى والدّعوة معا، فقد كانوا شركاءه في الدّعوة الدّينيّة كما شاركوه في الدّعوى، كما ذكرناه.

فإن قلت: هب إنّ إتيانه بهم لكونهم منه، وانحصار هذا الوصف بهم لكنّ الظّاهر- كما تعطيه العادة الجارية- أنّ إحضار الإنسان أحبّائه وأفلاذ كبده من النّساء والصّبيان في المخاطر والمهاول دليل على وثوقه بالسّلامة والعافية والوقاية، فلا يدلّ إتيانه صلّى اللّه عليه وآله بهم على أزيد من ذلك، وأمّا كونهم شركاء في الدّعوة، فهو بمعزل عن أن يدلّ عليه فعله.

قلت: نعم صدر الآية لا يدلّ على أزيد ممّا ذكر، لكنّك قد عرفت أنّ ذيلها، أعني قوله: عَلَى الْكاذِبِينَ، يدلّ على تحقّق كاذبين في أحد طرفي المحاجّة والمباهلة ألبتّة، ولا يتمّ ذلك إلّا بأن يكون في كلّ واحد من الطّرفين جماعة صاحبة دعوى إمّا صادقة أو كاذبة، فالّذين أتى بهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله مشاركون معه في الدّعوى وفي الدّعوة كما تقدّم، فقد ثبت أنّ الحاضرين كانوا بأجمعهم صاحبي دعوى ودعوة معه صلّى اللّه عليه وآله، وشركاء في ذلك.

فإن قلت: لازم ما ذكرته كونهم شركاء في النّبوّة.

قلت: كلّا فقد تبيّن فيما أسلفناه من مباحث النّبوّة أنّ"الدّعوة والتّبليغ"ليسا بعين النّبوّة والبعثة وإن كانا من شؤونها ولوازمها، ومن المناصب والمقامات الإلهيّة الّتي يتقلّدها، وكذا تبيّن ممّا تقدّم من مبحث الإمامة أيضا أنّهما ليسا بعين الإمامة وإن كانا من لوازمها بوجه.

مكارم الشّيرازيّ:"المباهلة"من البهل، بمعنى التّرك ورفع القيد. ومن ذلك كانت"الباهل"هي النّاقة المخلّى ضرعها مكشوفا، يرضع منه وليدها كيفما شاء.

والابتهال في الدّعاء: الاسترسال فيه، والتّضرّع إلى اللّه. أمّا تفسير الابتهال باللّعن والموت والبعد عن اللّه، فذلك لأنّ هذه الأمور من نتائج ترك اللّه العبد وشأنه.

هذا هو معنى"المباهلة"من حيث أصلها.

أمّا المفهوم المستفاد من الآية فهو تبادل اللّعن؛ وذلك بأن يجتمع المتجادلون في أمر دينيّ في مكان مّا ويتضرّعون إلى اللّه أن يفضح الكاذب، وينزل عقابه به.

في هذه الآية يخاطب اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وآله قائلا: إذا استمرّ أحد في مجادلتك بعد هذه الاستدلالات البيّنة بشأن عيسى، فادعه إلى المباهلة حتّى يأتي بأبنائه ونسائه، وادع أنت أيضا أبناءك ونساءك، وتضرّعوا إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت