فهرس الكتاب

الصفحة 2751 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 44

ففي المرحلة الأولى قد تأتي الألفاظ بصيغة الجمع لكي تنطبق على جميع الحالات. ولكن في مرحلة"التّنفيذ"قد تنحصر الحالة في فرد واحد، وهذا لا يتنافى مع عموميّة المسألة.

وبعبارة أخرى: كان على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بموجب اتّفاقه مع مسيحيّي نجران، أن يدعو للمباهلة جميع أبنائه وخاصّة نسائه وجميع من كانوا بمثابة نفسه، إلّا أنّ مصداق الاتّفاق لم ينطبق إلّا على ابنين وامرأة ورجل، فتأمّل!

في القرآن مواضع متعدّدة ترد فيها العبارة بصيغة"الجمع"إلّا أنّ مصداقها لا ينطبق إلّا على فرد واحد، فمثلا نقرأ: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ آل عمران: 173، المقصود من (النّاس) في هذه الآية هو"نعيم بن مسعود"حسب قول فريق من المفسّرين، لأنّ هذا كان قد أخذ أموالا من أبي سفيان في مقابل إخافة المسلمين من قوّة المشركين.

وأيضا نقرأ: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ آل عمران: 181، فهنا المقصود ب"الّذين"في هذه الآية، على رأي كثير من المفسّرين، هو"حييّ بن أخطب"أو"فنحاص".

وقد يطلق الجمع على المفرد للتّكريم، كما جاء عن إبراهيم: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ النّحل: 120، فهنا أطلقت كلمة (امّة) وهي اسم جمع، على مفرد.

كما أنّ آية المباهلة تفيد بأنّ أبناء البنت يعتبرون أبناء أبيها أيضا، بخلاف ما كان سائدا في الجاهليّة في اعتبار أبناء الابن فقط هم أبناء الجدّ؛ إذ كانوا يقولون:

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد

هذا اللّون من التّفكير كان من بقايا التّقاليد الجاهليّة الخاطئة الّتي لم تكن ترى المرأة عضوا من أعضاء المجتمع، بل كانت تنظر إليها على أنّها وعاء لنموّ الأبناء فقط، وترى أنّ النّسب يلحق بالآباء لا غير، يقول شاعرهم:

وإنّما أمّهات النّاس أوعية ... مستودعات وللأنساب آباء

غير أنّ الإسلام قضى على هذا اللّون من التّفكير، وساوى بين أبناء الابن وأبناء البنت.

نقرأ في الآية (84 و85) من سورة الأنعام بشأن أبناء إبراهيم: مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ، فالمسيح عيسى بن مريم عدّ هنا من أبناء إبراهيم مع أنّه كان ابنا من جهة البنت.

الأحاديث والرّوايات الواردة عن طريق الشّيعة والسّنّة بشأن الحسن والحسين عليهما السّلام تشير إلى كلّ منهما ب"ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله"كرارا.

وفي الآيات الّتي تحرّم الزّواج ببعض النّساء نقرأ:

وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ النّساء: 23، يتّفق علماء الإسلام على أنّ الرّجل يحرم عليه الزّواج من زوجة ابنه وزوجة حفيده سواء أكان من جهة الابن أم البنت، باعتبار شمولهم بالآية المذكورة.

لا شكّ أنّ هذه الآية ليست دعوة عامّة للمسلمين للمباهلة، إذ أنّ الخطاب موجّه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت