فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 46
عيسى عليه السّلام، وإلى الطّبيعة الاعتقاديّة، لأنّ الآية تتناول المحاجّة فيه بكلّ ما جاءه من العلم.
ويظهر من الآية ومن جوّ القصّة أنّ هؤلاء لم يريدوا الاقتناع، بل دخلوا في جدل عقيم لا يحقّق أيّ هدف، ولا يصل إلى أيّة نتيجة؛ ممّا دعا النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله إلى طرح المباهلة عليهم، كأسلوب من أساليب التّأثير النّفسيّ الّذي يشعرهم بالثّقة المطلقة بالعقيدة الإسلاميّة، وبمفاهيم الدّعوة الجديدة حتّى أنّ النّبيّ كان مستعدّا لأن يعرّض نفسه للموقف الصّعب عند ما يقف مع أهل بيته ليواجهوا الآخرين بالوقوف بين يدي اللّه في ما تنازعوا فيه، فيطلبون منه سبحانه أن يجعل اللّعنة على الكافرين.
وقد أراد النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أن يزيد الموقف تأثيرا في الإيحاء النّفسيّ لدى الآخرين بالثّقة، فلم يقتصر على تقديم نفسه للمباهلة والملاعنة، بل طرح القضيّة على أساس اشتراك أهل بيته معه في ذلك، مع أنّ بإمكانه أن يحصر الأمر بنفسه، دون أن يترك ذلك أيّ تأثير سلبيّ في الموقف.
ولكنّه- كما أشرنا- أراد أن يعطيهم الإيحاء بالاطمئنان الكامل بصدق دعواه، لأنّ الإنسان قد يعرّض نفسه للخطر، ولكنّه لا يعرّض أبناءه وأهل بيته لما يعرّض له نفسه، ممّا يمكن أن يتفاداه.
ولهذا أدرك القوم الموضوع وأبعاده، فاهتزّت أعماقهم بالخوف من الخوض في هذه التّجربة الّتي تستتبع اللّعنة الفعليّة الّتي تتجسّد في عذاب اللّه وعقابه، فأقلعوا عن الأمر وقبلوا الصّلح. [إلى أن قال بعد نقل قول الطّبرسيّ بأنّ المراد ب (ابناءنا) الحسن والحسين عليهما السّلام ... إلخ:]
ونلاحظ على هذا الحديث حول البلوغ وكمال العقل كشرط للمباهلة، أنّ مثل هذا الحديث في الجدل الدّائر فيه، يتوقّف على أن يكون الحسنان عليهما السّلام طرفين مستقلّين في المباهلة، كما لو كانا هما اللّذان يتولّيانها في مقابل نظائرهما من الآخرين، ليباهل الرّجال الرّجال والنّساء النّساء والأبناء الأبناء. ولكن يمكن أن تكون المسألة واردة على أساس أن يقدّم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله- وهو واثق بأنّ الحقّ معه وأنّ النّتيجة الحاسمة الإيجابيّة ستكون له- ابنيه وابنته وابن عمّه، ليكونوا طرفا في الابتهال وفريقا في النّتائج الحاسمة الأخيرة، بعيدا عمّا إذا كانوا مشاركين في التّحدّي، واللّه العالم. [إلى أن قال:]
المباهلة في الخطّ الإسلاميّ العامّ:
وإذا كانت الآية مختصّة بالنّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وآله في الواقعة الخاصّة مع وفد نصارى نجران، فإنّها لا تختصّ ظاهرا به، بل يمكن أن تنطلق في كلّ مورد مماثل لم يصل فيه الحوار إلى نهاية حاسمة، لعدم استعداد الطّرف الآخر للاقتناع بالحجّة- بعد إقامتها عليه- فتكون المباهلة هي الخيار الأخير في ساحة التّحدّي، فإنّ اللّه قد طرح المسألة على رسوله صلّى اللّه عليه وآله من خلال أنّها وسيلة من وسائل المواجهة، لإسقاط موقف الآخرين في خطّ الباطل لمصلحة موقف الحقّ، لا لخصوصيّة في المورد الخاصّ. [ثمّ استشهد بقول الإمام الصّادق عليه السّلام- في حديث أبي مسترق- وقد سبق، إلى أن قال:]
أمّا الدّرس الّذي نستفيده من ذلك كلّه، فهو العمل على توظيف الجانب الإيمانيّ، بعد ممارسة الجوانب