المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 47
العمليّة والفكريّة، في الحوار الهادئ العميق بين الإسلام وخصومه، انطلاقا من الفكرة الحاسمة الواقعيّة الّتي تقول: إنّ على الدّاعية أن لا يهمل أيّ عنصر من عناصر التّأثير على الآخرين في إيصالهم إلى الحقيقة، أو في الإيحاء إليهم بالاطمئنان إلى قوّة هذه الحقيقة، حتّى ليقف الإنسان في أشدّ المواقف حراجة في مجالات التّحدّي، لثقته بأنّ الدّعوة في المستوى القويّ لمواجهة التّحدّي بأقوى منه.
وقد أثار علماء التّفسير حديثا مطوّلا حول دلالة هذه الآية على بعض الجوانب الخلافيّة الّتي وقعت مجالا للأخذ والرّدّ؛ وذلك مثل مصداقيّة كلمة أَبْناءَنا على الحسن والحسين عليهما السّلام، ممّا يوحي بأنّ ولد البنت يعتبر مصداقا لمفهوم الابن، ودلالتها بلحاظ التّطبيق، على أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام هو نفس النّبيّ، لأنّ النّبيّ قدّمه في المباهلة من خلال هذه الصّفة.
ثمّ يتفرّع الحديث في اتّجاه دلالة الآية على أنّ هؤلاء الّذين قدّمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله للمباهلة لهم علاقة بحركة الدّعوة، ولو في نطاق الوصيّة والتّبليغ؛ إذ إنّه اعتبرهم- معه- فريقا في النّتيجة الحاسمة على تقدير الصّدق أو الكذب، ولذا جاء بكلمة الْكاذِبِينَ بصيغة الجمع.
وقد كثر الحديث والجدال في هذا الموضوع في بعض كتب التّفسير، كتفسير"المنار"الّذي كان يدافع عن فكرة عدم دلالتها على أيّ شي ء يتعلّق بموضوع الإمامة، وكتفسير"الميزان"الّذي يدافع عن فكرة دلالتها على هذا الموضوع ويعالجها بأسلوب علميّ دقيق. ونحن لا نريد الخوض في هذا المجال، بل نكتفي بالإشارة إلى ذلك ليرجع إليه القارئ في مظانّه، لأنّ منهج التّفسير لدينا يتحرّك في إطار الوحي القرآنيّ لحركة الدّعوة في الحياة. (6: 62 - 75)
الأصول اللّغويّة
1 -الأصل في هذه المادّة: البهل، وهو الشّي ء اليسير الحقير، كالمال والماء، يقال: أعطاه قليلا بهلا. ثمّ أطلق على النّاقة الّتي لاصرار عليها ولا خطام ولا سمة، لأنّها مال قليل لا يعتنى به فتهمل؛ إذ كانت العرب تطلق المال في الجاهليّة على"الإبل".
يقال: ناقة باهل، أي مسيّبة، والجمع: بهل وبهّل.
وأبهل النّاقة: أهملها، وهي مبهلة، والجمع: مباهل، وأبهل الرّاعي إبله: تركها من الحلب، واستبهل فلان النّاقة: احتلبها بلا صرار، وبهلت النّاقة تبهل بهلا: حلّ صرارها وترك ولدها يرضعها.
2 -ثمّ عمّم معناه وتوسّع مداه فاستعمل في الآدميّين، يقال: رجل باهل، أي المتردّد بلا عمل، ومن لا سلاح معه، والرّاعي بلا عمل، واستبهل الوالي رعيّته:
أهملها، وامرأة باهلة: لا زوج لها.
ومنه: البهل بمعنى اللّعن، أي البعد والطّرد، والانقطاع إلى اللّه، وهو التّرك والبعد أيضا؛ يقال: بهله اللّه، أي لعنه، وبهلة اللّه عليه. وباهلت فلانا: دعونا على الظّالم منّا، وباهلته أيضا: تركته. وابتهل القوم وتباهلوا:
تلاعنوا، وابتهل إلى اللّه في الدّعاء، أي جدّ فيه.
3 -واختلف في"الأبهل"، فقال الخليل: شجر العرعر، وقال سائر اللّغويّين: حمله وثمرته، واتّفقوا في