المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 48
كونه أعجميّا. وإن كان كذلك فهو رباعيّ وافق وزن"أفعل"، فليس من مادّة"ب ه ل"، ولا نعلم أصله؛ إذ لم يرد له ذكر في غير العربيّة، ولا سيّما اللّغات السّاميّة.
الاستعمال القرآنيّ
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ
آل عمران: 61
يلاحظ أنّها وحيدة الجذر في القرآن، جاءت في سورة مدنيّة (آل عمران) ، ولها علاقة خاصّة بالنّصارى، كما سبق في"ابن". وموضوعها مباهلة النّبيّ نصارى نجران الّتي تكرّرت قصّتها في النّصوص التّفسيريّة، وقد أحاطت بجميع أطرافها، فلم يبق لنا مجال للحديث عنها، سوى فهرسة ما يقال فيها، وهي أمور:
1 -أمر النّبيّ بالمباهلة بعد المحاجّة، أي أنّه كلّف أوّلا بأن يحاجج المنكرين لدعوته بحجج قويّة، تخاطب عقولهم فتقنعها. فإن أصغوا إليها واقتنعوا بها فبها المراد، وإلّا فيباهلهم بأهله وأهلهم لو رضوا بها.
2 -الهدف من"المباهلة"إثبات الحقّ وإبطال الباطل بآية سماويّة وشهادة ربّانيّة، تسجّل الدّعوة الحقّة، وتميّز الصّادق من الكاذب والحقّ من الباطل، فالمباهلة طريق عمليّ إلى ذلك، لا تشوبه شائبة.
3 -أثير السّؤال: هل كانت للمباهلة سابقة في الأمم الأخرى وفي أهل الكتاب؟ وهل كانت سنّة متّبعة بين المؤمنين والمنكرين في الإسلام، يعمل بها الآخرون طبق الشّروط، أو هي خاصّة بالنّبيّ، وكانت حادثة في واقعة، وإن جازت لغيره فما هي شروطها؟ وهل حدثت خلال تاريخ الدّعوة الإسلاميّة؟
4 -تكمن خطورة هذه القصّة في أنّها تجسّد لنا الأسلوب الإسلاميّ في الحوار، وتعلّمنا مدى التّسامح الإسلاميّ الّذي يجب أن ينتهجه أتباعه في ممارستهم مع الآخرين، وأن يتركوا لهم الحريّة، ويصوّروا لهم انطباعا ذاتيّا بأنّهم لا يؤمنون بالقوّة ولا يتذرّعون بها، لحملهم على اعتناق الإسلام دون إقناع وتصديق.
5 -لا خلاف بينهم في أنّ الآية كلّفت المتخاصمين جميعا بأسلوب واحد، ليدعوا أبناءهم ونساءهم وأنفسهم للمباهلة، من دون فرق بينهم، ولا نصّ على شخص منهم، إنّما الخلاف في من اختاره النّبيّ من الأبناء والنّساء والأنفس للحضور في ساحة المواجهة والتّحديّ.
فكادوا أن يتّفقوا على القول: إنّه اختار الحسن والحسين وفاطمة وعليّا عليهم السّلام، ولم يخالف ذلك من الجمهور سوى نفر شكّوا في أصل القصّة، بحجّة أنّ ابن إسحاق لم يذكرها إلّا على سبيل العموم دون خصوص الحادثة، أو ناقشوها في وجوب كون المتباهلين بالغين لسنّ التّكليف، وكان الحسنان آنذاك طفلين لم يبلغا الحلم، ولا يطلق عليهما لفظ الصّادق والكاذب. أو ناقشوا إطلاق"الأبناء"على اثنين و"النّساء"و"الأنفس"على واحدة. أو أنّ ظاهر (نساءنا) هو أزواجنا بقرينة إردافها ل (ابناءنا) ، فلو أريد بها جنس النّساء لأردفهنّ بالرّجال ...
ويدفعها أنّه بعد ما ثبت مستفيضا إن لم يكن متواترا