فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 290

5 -وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ الحشر: 9

والثّاني عشر- أنّ دلالة (الأثر) بشكليه المادّيّ والمعنويّ بيّنة في غيره من المشتقّات، أي المحورين الآخرين (أثار ومشتقّاته) و (أثارة) كما ستقف عليه.

ف (يؤثر) في إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ سواء كان فعلا مجرّدا أم من باب الإفعال بمعنى التّفضيل، يراد به أنّ القرآن- وهو أثر ملموس مسموع قابل للرّؤية أيضا بعد الكتابة- سحر أثر، ونقل عن غير النّبيّ إليه، أو فضّله هو أو النّاس على غيره من الكلام. وفي الوقت نفسه للقرآن أثر معنويّ في نفوس النّاس يجذب القلوب إلى معارفه، وهذا يعدّ بعدا معنويّا للقرآن. على أنّ للقرآن ظاهرا وهو ما نسمع ونرى، وباطنا وهو ما عند اللّه في اللّوح المحفوظ، وما في القلوب المؤمنة من نور الإيمان. وما يؤكّد هذه الرّؤية ارتباط (يؤثر) بالسّحر، وتأثير السّحر على النّاس مادّيّا ومعنويّا غير خاف.

وأمّا ما جاء من الألفاظ في الآيات الخمس بمعنى"الإيثار"فاتّصالها بالبعد المادّيّ والمعنويّ معا:

1 -إنّه تفضيل شي ء على آخر؛ بحيث أنّ هذا الشّي ء المفضّل ينقل إلى الآخرين.

2 -وإنّه بهذا النّقل سيترك آثاره على أولئك الآخرين.

ومن هذا القبيل السّيف المأثور: الّذي به أثر، والقول المأثور: المنتقى والمنقول عن السّابقين. ففي (آثر) وما ينبثق عنه سعة قبول المعنيين ممتزجين. فنلاحظ أنّ الدّلالة المقصودة للّفظ تتضمّن معنى الأثر من حيث إنّك قد تؤثر فلانا بشي ء، وذلك الشّي ء لا بدّ أن يظهر أثره في فلان. فقوله: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ يدلّ على أنّ المأثور به سيكون له أثره فيمن يخصّ به، من قبيل الرّاحة والسّعادة والانشراح، وما إليها من مشاعر وآثار من أجل تحقيقها. ويلحّ الخلق الإسلاميّ الرّفيع على ظاهرة الإيثار، وهذه كلّها راجعة إلى البعد المعنوي، وأمّا المادّيّ فهو ما يفضّل به المؤمن غيره على نفسه من الأرزاق والمآكل والمشارب والملابس والمساكن وما إليها.

وهكذا الأمر في إيثار (الحياة الدّنيا) فإنّه يجمع البعدين المادّيّ والمعنويّ، فمن آثر الحياة الدّنيا على الآخرة لا تظهر فيه سمة الإيمان ونور اليقين، كما أنّه يتّجه إلى اللّذّات ومتع الحياة المادّيّة والجاه والمقام، ويزنها بالميزان الأوفى، على خلاف الّذين يؤثرون الآخرة على الدّنيا، فهم الّذين قال تعالى في شأنهم: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا القصص: 83

فلهم نورهم يسعى بين أيديهم، وحتّى المقرّبين منهم- كما يحدّثنا القرآن- لا يريدون من اللّه إلّا اللّه، ويطلبون رضوانا من اللّه والقرب منه، وهذا هو البعد المعنويّ. وأمّا البعد المادّيّ بالنّسبة إليهم فوجوههم النّيّرة وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ القيمة: 22، وجنّات الخلد وما إليها.

والثّالث عشر- إنّ (آثر) وما اشتقّ منه خمسة بدون عدّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ منها مرّتان في غير المؤمنين متعلّقا بالحياة الدّنيا ذمّا، ومرّتان وهما (اثرك) و (تؤثرون) في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت