المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 135
اللّه في المحشر يكرهون فراق ذلك الموطن طمعا في رؤيته ثانيا، ولشدّة حبّهم وشغفهم، لا يكاد يخطر ببالهم أنّهم سيرونه سبحانه إذا دخلوا الجنّة، فيحجمون عن المسير، فيساقون إلى الجنّة، والمراد ب"الرّؤية"طبعا ينبغي أن لا يستلزم التّجسيم.
ومنها: ما خطر بالبال أنّ المتّقين من فرط تواضعهم وخضوعهم يرون أنفسهم مقصّرين أمام ربّهم، لا يليقون بدار كرامة اللّه، فأحجموا عن المسير حياء حتّى سيقوا إليها.
ثالثها: جاء السّوق في الفريقين"زمرا"، وبه سمّيت السّورة؛ وذلك إشارة إلى طبقاتهم حسب أعمالهم، ودرجاتهم حسب جزائهم، كما قال تعالى: فَتَأْتُونَ أَفْواجًا النّبأ: 18.
رابعها: جاء فيهما حَتَّى إِذا جاؤُها،* ثمّ جاء في أهل النّار فُتِحَتْ أَبْوابُها* بلا"واو"، فجعلت جواب"إذا"تأكيدا أنّها كانت مغلقة قبلها، وإشارة إلى وقوفهم خلفها ذلّا وحقارة، منتظرين فتح الأبواب. وجاء في أهل الجنّة وَفُتِحَتْ أَبْوابُها بزيادة"واو"من دون جواب فيها ل"إذا"، فما هو السّرّ فيها؟
والجواب بوجوه: منها:"الواو"حاليّة، أي جاءوها والحال أنّها كانت مفتوحة أبوابها من ذي قبل، انتظارا لهم وكرامة. ويناسبه أنّها قرئت بالتّشديد أيضا (و فتّحت) تأكيدا أنّ خزنة الجنّة فتحوا أبوابها، ووقفوا منتظرين لهم، كما يفتح الخدم باب المنزل للضّيف قبل قدومه إكراما وانتظارا له. وعليه فتكون الآية من قبيل:
"مفتّحة لهم الأبواب"في (16) ، وحذف الجواب إيذانا بأنّ لهم من ضروب الكرامات ما لا يحيط به نطاق العبارة، وليذهب ذهن السّامع إلى كلّ مذهب ممكن.
ومنها: أنّها"واو الثّمانية"، إشارة إلى أنّ أبواب الجنّة ثمانية، كما جاءت في الأحاديث؛ وذلك لأنّ من عادة قريش أنّهم يعدّون من الواحد، فيقولون: خمسة، ستّة، سبعة، فإذا بلغوا السّبعة قالوا: وثمانية. وفي القرآن شواهد منه، مثل: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ الحاقّة: 7، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ الكهف: 22 ونحوهما. وهذا الوجه مقبول لو كانت هذه الجملة وحدها معطوفة بالواو، والحال أنّ ما بعدها جمل معطوفة عليها، وهي أوّلها.
ومنها: أنّ اللّه فرّق بين الفريقين بأن جعل فتح أبواب جهنّم منتهى سير أهلها، فجعلها جواب الشّرط.
أمّا أهل الجنّة فإنّ فتح أبواب الجنّة لهم ليس نهاية سيرهم، بل هو أحد مراحله، ولهم بعده مراحل لا تنتهي، فلهذا عطفت بعضها على بعض دون ذكر غاية تكون جواب"إذا"، بل حذف الجواب إشعارا بعظم ما لهم من الكرامات، كما سبق في الوجه الأوّل، واللّه أعلم بسرّ كتابه.
خامسها: أنّ لكلا الجنّة والنّار خزنة وحجبة، لا يدخلها أحد إلّا بإذنهم، ولهم أن يتحدّثوا مع الدّاخلين بما فيه توبيخ وإهانة، أو سلام وشكر وكرامة. وشتّان ما بين قولهم لأهل الجنّة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ، وقولهم لأهل النّار: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا. وشتّان ما بين كلمة أهل الجنّة: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ