المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 153
وكذلك (4) ، فقد ظنّ الأعداء أنّ النّبيّ والمؤمنين سوف يقتلون ولا ينقلبون وهم في طريقهم إلى مكّة، ولكنّهم أخطأوا في ظنّهم وخسروا، وكسدت تمنّيّاتهم السّيّئة ولم توجد. فوقع الصّلح وكان فتحا مبينا، ورجع المؤمنون إلى المدينة سالمين غانمين.
وأيّ غنيمة أعظم من الصّلح الّذي عقد بين جماعة المؤمنين وبين قريش، وهم ألدّ أعدائهم الّذين شنّوا الحرب من ذي قبل على النّبيّ ومن معه مرارا وتكرارا.
وقد أطفئت نائرة الحرب بهذا الصّلح، وحلّ مكانها الهدوء والطّمأنينة الّتي أعقبت اعتناق خلق كثير منهم الدّين الحنيف.
خامسا: تبديل الوصف (بورا) في الآيتين (3) و (4) من الفعل (تبور) و (يبور) في (1) و (2) بسياق واحد:
وَكانُوا قَوْمًا بُورًا، وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا، للدّوام والاستمرار، أي أنّهم أصبحوا قوما خاسرين كاسدين فاسدين، لا يزالوا كذلك إلى آخر حياتهم، بل إلى أبد الآبدين في الدّنيا والآخرة.
سادسا: وهذا المعنى بعينه سار في (5) ، فإنّ الّذين أوتوا نعمة اللّه يتوقّع انتفاعهم بها وإحلالهم قومهم دار الفلاح والنّجاح، ولكنّهم بدّلوا نعمة اللّه كفرا، وأحلّوا قومهم دار البوار، وهي دار الخسران. وهذا السّياق بما فيه من ألفاظ (احلّوا) و (قومهم) و (دار البوار) ، بالغ في الدّمار والشّمول.
سابعا: قد برز وتجلّى التّرتيب الطّبيعيّ بين الآيات، فبدأت بالفعل كحادثة في (1) و (2) ، ثمّ انقلب الفعل إلى الوصف الدّائم الشّامل للقوم في (3) و (4) . ثمّ تجاوز حدّ الوصف وانتهى إلى الإحلال لدار البوار، وهي مفسّرة بعدها بقوله: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ إبراهيم:
29، فكرّر كلّ من الفعل والوصف مرّتين، واجتمعت في واحدة.
ثامنا: الآيات كلّها مكّيّة سوى واحدة، وهي آية الفتح (4) ، وسياقها ذمّ للمشركين. وبدأت بالخير وانتهت إلى الشّرّ، ليتحقّق معنى الخسران والكساد. أمّا آية الفتح المدنيّة المتأخّرة نزولا- طبعا- عنها، فليس فيها ذكر الخير، لوضوح معنى الخسران فيها ممّا تقدّمتها من الآيات، إلّا أنّها مسبوقة في القرآن أيضا بآية النّعمة يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ... إبراهيم: 27.