فهرس الكتاب

الصفحة 2897 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 189

المسألة الأولى: ما الحكمة في اختيار هذا المثل من بين سائر الأمثال؟ فنقول: فيه وجوه:

الأوّل: إنّ البيت ينبغي أن يكون له أمور: حائط حائل، وسقف مظلّ، وباب يغلق، وأمور ينتفع بها، ويرتفق، وإن لم يكن كذلك فلا بدّ من أحد أمرين: إمّا حائط حائل يمنع من البرد، وإمّا سقف مظلّ يدفع عنه الحرّ. فإن لم يحصل منهما شي ء فهو كالبيداء ليس ببيت لكن بيت العنكبوت لا يجنّها ولا يكنّها.

وكذلك المعبود ينبغي أن يكون منه الخلق والرّزق وجرّ المنافع وبه دفع المضارّ، فإن لم تجتمع هذه الأمور فلا أقلّ من دفع ضرّ أو جرّ نفع، فإنّ من لا يكون كذلك فهو والمعدوم بالنّسبة إليه سواء. فإذن كما لم يحصل للعنكبوت باتّخاذ ذلك البيت من معاني البيت شي ء، كذلك الكافر لم يحصل له باتّخاذ الأوثان أولياء من معاني الأولياء شي ء.

الثّاني: هو أنّ أقلّ درجات البيت أن يكون للظّلّ، فإنّ البيت من الحجر يفيد الاستظلال ويدفع أيضا الهواء والماء والنّار والتّراب، والبيت من الخشب يفيد الاستظلال ويدفع الحرّ والبرد، ولا يدفع الهواء القويّ ولا الماء ولا النّار، والخباء الّذي هو بيت من الشّعر أو الخيمة الّتي هي من ثوب إن كان لا يدفع شيئا، يظلّ ويدفع حرّ الشّمس. لكن بيت العنكبوت لا يظلّ فإنّ الشّمس بشعاعها تنفذ فيه.

فكذلك المعبود أعلى درجاته أن يكون نافذ الأمر في الغير، فإن لم يكن كذلك فيكون نافذ الأمر في العابد، فإن لم يكن فلا أقلّ من أن لا ينفذ أمر العابد فيه، لكن معبودهم تحت تسخيرهم إن أرادوا أجلّوه وإن أحبّوا أذلّوه.

الثّالث: أدنى مراتب البيت أنّه إن لم يكن سبب ثبات وارتفاق، لا يصير سبب شتات وافتراق، لكن بيت العنكبوت يصير سبب انزعاج العنكبوت، فإنّ العنكبوت لو دام في زاوية مدّة لا يقصد ولا يخرج منها، فإذا نسج على نفسه واتّخذ بيتا، يتبعه صاحب الملك بتنظيف البيت منه والمسح بالمسوح الخشنة المؤذية لجسم العنكبوت.

فكذلك العابد بسبب العبادة ينبغي أن يستحقّ الثّواب، فإن لم يستحقّه، فلا أقلّ من أن لا يستحقّ بسببها العذاب، والكافر يستحقّ بسبب العبادة العذاب.

نحوه النّيسابوريّ (20: 94) ، والبروسويّ(6:

47)، والمراغيّ (20: 143) .

أبو حيّان: وقال الزّمخشريّ: الغرض تشبيه ما اتّخذوه متّكلا ومعتمدا في دينهم، وتولّوه من دون اللّه ممّا هو مثل عند النّاس في الوهن وضعف القوّة، وهو نسج العنكبوت، ألا ترى إلى مقطع التّشبيه وهو قوله: إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ انتهى.

يعني بقوله: ألا ترى إلى مقطع التّشبيه بما ذكر أوّلا أنّ الغرض تشبيه المتّخذ بالبيت لا تشبيه المتّخذ بالعنكبوت، والّذي يظهر هو تشبيه المتّخذ من دون اللّه وليّا بالعنكبوت المتّخذة بيتا، أي فلا اعتماد للمتّخذ على وليّه من دون اللّه، كما أنّ العنكبوت لا اعتماد لها على بيتها في استظلال وسكنى بل لو دخلت فيه خرقته، ثمّ بيّن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت