فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 191
اعتراضيّة أقرب، لأنّ قوله: وكما أنّ أوهن البيوت إلخ ليس فيه إيماء إلى تقييد الأوّل. وقد تعقّب أبو حيّان هذا الوجه بأنّه لا يدلّ عليه لفظ الآية، وإنّما هو تحميل اللّفظ ما لا يحتمله، كعادته في كثير من تفسيره، وهذه مجازفة على صاحب"الكشّاف"كما لا يخفى.
ويجوز أن يكون المعنى مثل الّذين اتّخذوا من دون اللّه أولياء فيما اتّخذوه معتمدا ومتّكلا في دينهم وتولّوه من دون اللّه تعالى، كمثل العنكبوت فيما نسجته واتّخذته بيتا، والتّشبيه على هذا من المركّب فيعتبر في جانب المشبّه اتّخاذ ومتّخذ واتّكال عليه، وكذلك في الجانب الآخر ما يناسبه. ويعتبر تشبيه الهيئة المنتزعة من ذلك كلّه بالهيئة المنتزعة من هذا بالأسر.
والغرض تقرير وهن أمر دينهم، وأنّه بلغ الغاية الّتي لا غاية بعدها، ومدار قطب التّشبيه أنّ أولياءهم بمنزلة منسوج العنكبوت ضعف حال وعدم صلوح اعتماد، وعلى هذا يكون قوله تعالى: إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ تذييلا يقرّر الغرض من التّشبيه.
وجوّز أن يكون المعنى والغرض من التّشبيه ما سمعت إلّا أنّه يجعل التّذييل استعارة تمثيليّة، ويكون ما تقدّم كالتّوطئة لها، فكأنّه قيل: وإنّ أوهن ما يعتمد عليه في الدّين عبادة الأوثان، وهي تقرّر الغرض من التّشبيه بتبعيّة تقرير المشبّه، وكأنّ التّقرير في الوجه السّابق بتبعيّة تقرير المشبّه به، وهذا قريب من تجريد الاستعارة وترشيحها.
ونظير ذلك قولك: زيد في الكرم بحر والبحر لا يخيّب من أتاه، إذا كان البحر الثّاني مستعارا للكريم، وذكر الطّرفين إنّما يمنع من كونه استعارة لو كان في جملته، ورجّح السّابق لأنّ عادة البلغاء تقرير أمر المشبّه به ليدلّ به على تقرير المشبّه، ولأنّ هذا إنّما يتميّز عن الألغاز بعد سبق التّشبيه.
وجوّز أن يكون قوله تعالى: (مثل الّذين) إلخ كالمقدّمة الأولى، وقوله سبحانه: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ كالثّانية، وما هو كالنّتيجة محذوف مدلول عليه بما بعد كما في"الكشف"، والمجموع يدلّ على المراد من تقرير وهن أمر دينهم، وأنّه بلغ الغاية الّتي لا غاية بعدها على سبيل الكناية الإيمائيّة، فتأمّل. (20: 160)
الطّباطبائيّ: ويكون قوله: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ بيانا لصفة البيت الّذي أخذته العنكبوت، ولم يقل: إنّ أوهن البيوت لبيتها، كما هو مقتضى الظّاهر أخذا للجملة بمنزلة المثل السّائر الّذي لا يتغيّر.
والمعنى أنّ اتّخاذهم من دون اللّه أولياء، وهم آلهتهم الّذين يتولّونهم ويركنون إليهم، كاتّخاذ العنكبوت بيتا هو أوهن البيوت؛ إذ ليس له من آثار البيت إلّا اسمه، لا يدفع حرّا ولا بردا، ولا يكنّ شخصا ولا يقي من مكروه. كذلك ليس لولاية أولياءهم إلّا الاسم فقط، لا ينفعون ولا يضرّون ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا.
ومورد المثل هو اتّخاذ المشركين آلهة من دون اللّه، فتبديل الآلهة بالأولياء لكون السّبب الدّاعي إلى اتّخاذ الآلهة زعمهم أنّ لهم ولاية لأمرهم وتدبيرا لشأنهم، من جلب الخير إليهم، ودفع الشّرّ عنهم، والشّفاعة في حقّهم.