فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 298

الأصول اللّغويّة

1 -الظّاهر رجوع"أثل"إلى"أصل"لفظا ومعنى، فيهما من قبيل صراط وسراط، ولهذا أطلق الأثل على شجر ثابت الأصل ذو خشب صلب. وكلّ مشتقّاته ومعانيه يرجع إلى هذا الأصل، كما قال ابن فارس:"يدلّ على أصل الشّي ء وتجمّعه"إلّا أنّه قد يطلق على ثمره مجازا، وهذا شائع في الأشجار.

وقد تقدّم في النّصوص أنّ شجر الأصل لا يكون عليه ثمرة، إلّا في بعض الأوقات يكون عليه شي ء كالعفص أو أصغر منه في طعمه وطبعه. وفي لسان العرب (7: 55) :"طعام عفص: بشع، وفيه عفوصة ومرارة وتقبّض يعسر ابتلاعه ..."وهذا ما سنختاره في معنى الأثل في الآية الكريمة.

الاستعمال القرآنيّ

وفيه بحوث:

1 -جاءت كلمة (أثل) بعد كلمة (خمط) وقبل (سدر قليل) في قوله: وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْ ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ سبأ: 16، ولا يوقف على معناها إلّا ضمن تفسير الآية بكاملها.

2 -والآية تصف حال قوم سبأ، وما أوقع اللّه بهم بسبب سيل العرم بعد إعراضهم عن الحقّ، من تبديل جنّتيهم ذات الثّمار الوافرة والفواكه والخيرات الكثيرة، بما يشبه الجنّتين ذات ثمار مرّة حامضة بشعة وشي ء من سدر قليل. فحينما كانت الجنّتان قبل السّيل آية في الجمال والنّماء لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ سبأ:

15، ممتدّتان في جانبي الوادي إلى ما شاء اللّه بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ سبأ: 15، فكانوا لكثرة الإنتاج شعبا ثريّا قويّا راقيا، كما تشهد به الآثار المكتشفة في مساكنهم.

إذ تبدّلت الجنّتان بعد السّيل إلى صحراء قاحلة لا تنبت سوى الأشجار الصّحراويّة ذوات أكل لا تؤكل. كما أنّ القوم أنفسهم صاروا أحاديث لا أثر لهم في التّاريخ، حتّى ضرب بهم المثل"تفرّق القوم أيادي سبأ"لتفرّقهم في الأرض يمينا وشمالا، لاحظ"سبأ".

3 -فالتّعبير عن تلك الصّحراء القفر بالجنّتين- كما جاء في التّفاسير- إمّاتهكّم أو من باب المشاكلة والازدواج، مثل: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ آل عمران:

54، وفَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ البقرة:

194؛ إذ لم يبق هناك ما يسمّى جنّة حقيقة، والدّليل عليه أنّه تعالى عبّر عن ثمراتها بما لا ينبت إلّا نبتة طبيعيّة في الصّحاري القاحلة مثل شجر الأراك.

4 -ومن هذا المنطلق لا بدّ من تفسير كلمات: خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْ ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ. فالمفسّرون- إلّا النّادر منهم- جعلوها أشجارا، فقالوا: الخمط: الأراك أو كلّ شجر مرّ له شوك، أو الغضا ونحوهما. والأثل: الطّرفاء أو شبيه منه، أو ضرب من الخشب أو الثّمر أو الآجام.

والسّدر: الشّجر المعروف، ووصفوها بما فيه منافع ونعمة.

وهذه معان توافق اللّغة إلّا أنّها لا تناسب سياق الآية، فإنّ الظّاهر أنّ الألفاظ الثّلاثة في الآية وصف للأكل أو بيان لها فينبغي أن ننتقل عن تلك الأشجار إلى ما يناسبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت