المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 238
الأصول اللّغويّة
1 -الأصل في هذه المادّة: البيداء، وهي مفازة لا شي ء فيها، وجمعها بيد، ومنه قولهم: باد الرّجل يبيد بيدا، أي هلك، وكأنّه حلّ في البيداء فأبادته، وأباده اللّه: أهلكه، وأباده الدّهر إبادة. وباد الشّي ء يبيد بيدا وبيادا وبيودا وبيدودة: نفد وذهب، وبادت الشّمس:
غربت.
ومنه: البيدانة: الأتان الوحشيّة، وجمعها بيدانات، وسمّيت بذلك لسكونها البيداء، يقال: أتان بيدانة، فهي على وزن"فعلانة"، مثل: صفوانة: صخرة ملساء.
وقيل: لكونها عظيمة البدن، فهي- على هذا القول- على وزن"فيعالة"، مثل: عيثامة وعيثارة، وهما نوعان من الشّجر.
2 -وبيد: غير، أو على، أو من أجل، وأيّ من هذه المعاني لا يطابق ما ذهبنا إليه كأصل لهذه المادّة، أي البيداء، وما ذهب إليه غيرنا كابن فارس، وهو الهلاك، قال:"و هذا يباين القياس الأوّل، ولو قيل: إنّه أصل برأسه لم يبعد".
ونرى أنّ"ميد"- الّذي قيل فيه: إنّه لغة في"بيد"- هو الأصل، و"بيد"لغة فيه، كقولهم: باسمك، أي ما اسمك؟ وبهلا، أي مهلا. وهو من: مادهم يميدهم، أي زادهم، وعلى ذلك فإنّ معنى"ميد"هو"على"الّتي تفيد العلوّ والفوقيّة، ومنه قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله:"أنا أفصح العرب بيد أنّي من قريش"، أي فضلا عن ذلك، وفيه وجوه أخرى سنتعرّض لها في"م ي د"إن شاء اللّه.
3 -وبين"ب ي د"و"أ ب د"اشتقاق أكبر، فأصل المادّة الأولى مشرب معنى التّوحّش كما رأيت، وهو يضارع أحد أصلي"أ ب د"، أي التّوحّش، كما مرّ هناك، يقال: أبدت البهيمة أبودا: توحّشت، ونفرت من الإنس.
كما أنّ"باد"ورد في إحدى لغات السّريانيّة بلفظ"إبد"، وهو يطابق"الأبد"لفظا أيضا، وهذا يدلّ على وحدة المادّتين واتّحاد مغرسهما.
الاستعمال القرآنيّ
جاءت هذه المادّة مرّة واحدة، فعلا مضارعا في سورة مكّيّة:
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا الكهف: 35
يلاحظ أوّلا: أنّ استعمالها وحيدة ومنفردة في القرآن دون ضرورة- كرعاية الفواصل- يحكي قلّة تداولها عند العرب حينذاك. ومع ذلك ففيه إيهام التّناسب بين"تبيد"و"أبدا". فلو جاء"تهلك"لا نتفى ذلك، ولعلّه الموجب لمجيئه بدله. فهذا الأمر- إيهام التّناسب- قام مقام رعاية الفواصل في غيرها، ممّا جاء مرّه واحدة في القرآن.
ثانيا: هناك حكمة أخرى في إتيان"البيد"مقرونا بالجنّة، رغم وجود ما يضارعه أصلا واستعمالا، وهي أنّ هذا الضّرب من الاستعمال يراد به الإمعان في تصوير مشهدين متناقضين تماما، مشهد يصوّر روضة غنّاء ذات أثمار يانعة، ومشهد يصوّر بيداء يهماء لا حياة فيها ولا ماء؛ إذ ينبئ الفعل"باد يبيد"- كما بيّنّا آنفا- بالحلول