فهرس الكتاب

الصفحة 2945 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 237

وتقديرا لا يلتفت إليه، حتّى يظنّ به ويمال إليه. فمعنى ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أنّ بقاءه ودوامه ممّا تطمئنّ إليه النّفس ولا تتردّد فيه، حتّى تتفكّر في بيده وتظنّ أنّه سيفنى.

وهذا حال الإنسان فإنّ نفسه لا تتعلّق بالشّي ء الفاني من جهة أنّه متغيّر يسرع إليه الزّوال، وإنّما يتعلّق القلب عليه بما يشاهد فيه من سمة البقاء كيفما كان، فينجذب إليه ولا يلوي عنه إلى شي ء من تقادير فنائه.

فتراه إذا أقبلت عليه الدّنيا اطمأنّ إليها وأخذ في التّمتّع بزينتها والانقطاع إليها، واعتورته أهواؤه وطالت آماله، كأنّه لا يرى لنفسه فناء، ولا لما بيده من النّعمة زوالا، ولا لما ساعدته عليه من الأسباب انقطاعا، وتراه إذا أدبرت عنه الدّنيا أخذه اليأس والقنوط، فأنساه كلّ رجاء للفرج، وسجّل عليه أنّه سيدوم ويدوم عليه الشّقاء، وسوء الحال.

والسّبب في ذلك كلّه ما أودعه اللّه في فطرته من التّعلّق بهذه الزّينة الفانية فتنة وامتحانا، فإذا أعرض عن ذكر ربّه انقطع إلى نفسه والزّينة الدّنيويّة الّتي بين يديه، والأسباب الظّاهريّة الّتي أحاطت به، وتعلّق على حاضر الوضع الّذي يشاهده، ودعته جاذبة الزّينات والزّخارف أن يجمد عليها ولا يلتفت إلى فنائها، وهو القول بالبقاء.

وكلّما قرعته قارعة العقل الفطريّ أنّ الدّهر سيغدر به، والأسباب ستخذله، وأمتعة الحياة ستودّعه، وحياته المؤجّلة ستبلغ أجلها، منعه اتّباع الأهواء وطول الآمال الإصغاء لها والالتفات إليها.

وهذا شأن أهل الدّنيا لا يزالون على تناقض من الرّأي يعملون ما يصدّقونه بأهوائهم ويكذّبونه بعقولهم، لكنّهم يطمئنّون إلى رأي الهوى، فيمنعهم عن الالتفات إلى قضاء العقل.

وهذا معنى قولهم: بدوام الأسباب الظّاهريّة وبقاء زينة الحياة الدّنيا، ولهذا قال فيما حكاه اللّه: ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا ولم يقل: هذه لا تبيد أبدا. (13: 310)

عبد الكريم الخطيب: هكذا يكيد هذا الضّالّ لصاحبه، ويجي ء إليه بما يظنّ أنّه يملأ قلبه حسرة وحسدا، فيتحدّث عن جنّته هذا الحديث الّذي يتيه فيه فخرا وزهوا، بما يملك بين يديه، من ثراء طائل، وجاه عظيم.

إنّه ينظر إلى جنّته كأنّه يراها لأوّل مرّة، فيقول:

ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا ثمّ ينظر في وجه صاحبه ليرى وقع هذه الكلمة على مشاعره، فيرى استنكارا وامتعاضا وتعجّبا، من هذا الغرور الّذي يذهل صاحبه عن بدهيّات الأمور.

فهل رأى هذا الأحمق الجهول، فيما يدور في دنياه هذه شيئا لا يبيد أبدا؟ وهل هذه أوّل جنّة كانت في هذه البقعة؟ ألا يجوز أنّها قامت على أنقاض دور كانت عامرة، أو جنّات كانت خيرا من جنّته؟ (8: 618)

محمود صافي: والمصدر المؤوّل (ان تبيد) في محلّ نصب سدّ مسدّ مفعولي ظنّ. (15: 186)

المصطفويّ: أي ما أظنّ أن تنمحي هذه العمارة وتتبدّد هذه الصّورة، من نظم الأنهار والأشجار والعمارة. (1: 342)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت