فهرس الكتاب

الصفحة 2994 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 286

أهل الكشف والشّهود وأهل الحجاب والكلام، إلى غير ذلك ممّا جاء في النّصوص، والآيات تعمّ أهل الحقّ والضّلال من كلّ فريق، وجد أو سيوجد إلى يوم القيامة، وكلّ ما ذكروه تأويل ليس غير.

ثالثا: جاء الوصف بثلاث صيغ:

أولاها: (الابيض) : مرّة في (4) مع (الاسود) وصفا للخيط وعلامة للفجر، ليمسك الصّائم عن الأكل والشّرب عنده. والفجر فجران، الأوّل: الفجر الكاذب، لبطلانه بعد مكث قليل؛ إذ يخرج في الأفق عمودا، ثمّ يبطل باستبداله ببياض معترض كالخيط الأبيض، فيتميّز عمّا حوله من السّواد، ويشكّلان معا خطّين- لاحظ الطّباطبائيّ- فهذا أوان الصّوم وصلاة الفجر، وقد فهم بعض الصّحابة الآية ببلوغ السّفور إلى حدّ يتميّز فيه الخيط الأبيض عن الخيط الأسود، فبيّنها لهم النّبيّ عليه السّلام.

وقد فسّرها بعض الفقهاء قديما كالأعمش بالنّهار واللّيل، ولكنّ الإجماع استقرّ على خلافه.

ثانيتها: (بيضاء) : جاءت ستّ مرّات: خمسا معجزة لموسى وصفا ليده اليمنى في (5 - 9) ، ومرّة وصفا لكأس يشربها أهل الجنّة في (10) . يأخذونها بيدهم اليمنى طبعا، فاليد اليمنى مشتركة بين الموقفين كوصف"بيضاء".

وجاءت نكرة دائما إشعارا بعظمها وشدّة ضوئها، وليذهب ذهن السّامع إلى كلّ مذهب ممكن، وهي فضل اللّه ورحمته في الجميع: ظهر معجزة لموسى في موقف، ورحمة لأهل الجنّة في موقف آخر، فجوهرها واحد ومظاهرها متعدّدة.

أ- أمّا معجزة موسى فقد أمر أن يدخل يده في جيبه، فتخرج بيضاء تضي ء للنّاس، وفيه بحوث:

1 -قيّدت (بيضاء) في (5) و (6) و (7) بقوله: مِنْ غَيْرِ سُوءٍ،* أي ليس بياضها لمرض كالبرص، بل هو نور من اللّه تعالى وآية على صدقه.

2 -جاءت"اليد البيضاء"مع جعل العصا ثعبانا آيتين وبرهانين لموسى في أربع منها: (5) و (8) و (9) و (10) . وجاء هذان من جملة تسع آيات له إلى فرعون وقومه في (6) ، ولا تختلفان إلّا في الاختصاص هاتين الآيتين بفرعون ومن عنده من السّحرة، والآيات السّبع الباقية تعمّ فرعون وقومه.

3 -الآيات الثّلاث: (5 - 7) جاءت تحمل أمر اللّه لموسى بإبراز هاتين الآيتين كتجربة له أمام اللّه، والآيتان (8) و (9) تحملان الإتيان بهما أمام فرعون كبرهانين، فالآيات طائفتان: تجريبيّة وبرهانيّة.

4 -اختلف التّعبير في الطّائفة الأولى، ففي (5) :

وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ، وفي (6) : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ، وفي (7) : اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ، فهل فيها نكتة، أو هي صرف تفنّن في الكلام؟

والجواب: أنّ هذه كلّها ترجمان لما خاطب اللّه موسى بلغته، عبريّة كانت أم قبطيّة. ومهما كانت فلم تكن عربيّة حتّى يسأل خاطبه اللّه بأيّ هذه الألفاظ، ولم بدّلها بألفاظ أخرى؟ فإنّه لم يخاطبه بشي ء منها، بل بلغة أخرى غيرها.

أمّا سرّ ترجمتها بثلاثة ألفاظ، فإنّها تحكي استيعاب واستعداد تلك اللّغة لنقلها إلى هذه الألفاظ، كما تحكي استيعاب وسعة اللّغة العربيّة عامّة، وكلام اللّه خاصّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت