المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 285
8 -إنّ قوله: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ، كناية عن العمى كما سبق، وقيل: إنّه كناية عن ضعف البصر، فكان يرى قليلا. وفيه أنّه قد جاء في استمرار القصّة ما يكشف عن عمى عينيه وذهاب بصره مرّتين، وهما: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا يوسف: 93، وفَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا يوسف: 96. وجاء البصير في القرآن مقابلا للأعمى مرّات، منها: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ فاطر: 19.
9 -هناك بحث في جواز العمى على الأنبياء، لاحظ النّصوص.
10 -الفعل"ابيضّت"من باب"الافعلال"، مثل:
احمرّ احمرارا، فهو ملحق بالمضاعف، ولا يختصّ ببياض العين أو بكناية عن العمى، بل جاء بمعنى تلألؤ الوجوه وبشرها فيما يأتي من الآيتين. تلك عشرة كاملة.
الثّانية والثّالثة:"ابيضّت"و"تبيضّ"في (2) و (3) وفيهما بحوث:
1 -الابيضاض فيهما ليس بمعنى البياض- وإن قاله بعضهم- بل هو كناية عن إشراق الوجوه وإسفارها وسرورها وبشرها، وسوادها أيضا كناية عن عبوسها وحزنها وكآبتها، كما قال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ* ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ* وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ* تَرْهَقُها قَتَرَةٌ عبس: 38 - 41. وقال: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ النّحل:
58، وعليها يحمل قوله: تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ الزّمر: 60، وهذه كناية شائعة، فيقال للفائز: أبيض الوجه، وللخاسر: أسود الوجه، لاحظ النّصوص. ولا سيّما نصّ فضل اللّه، فقد بيّن العلاقة بين الحالة النّفسيّة من الحزن والسّرور وحالة الوجه بأحسن بيان وأطوله.
ومع ذلك كلّه فنحن لا نرى مانعا من أن يراد بها بياض الوجه وسواده بالمعنى اللّغويّ والكنائيّ معا، لما جاء في الرّوايات حول أهل الجنّة وأهل النّار، ولا يعدّ ذلك من باب استعمال اللّفظ في أكثر من معنى، لاحظ المدخل: الاصطلاحات البلاغيّة.
2 -قدّم الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ على الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ في الصّدر، ثمّ عكس في الذّيل، فأخّر الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ، وقدّم الفريق الآخر، فهل في ذلك سرّ؟
لعلّ السّرّ فيه أنّه تعالى أراد البدء والختم بأهل النّجاة والسّعداء تفضيلا للرّحمة على العذاب ووصف الرّحيم على الجبّار، فسبقت رحمته غضبه. وقد يكون ذلك تفنّنا في الكلام، أو لنكتة بلاغيّة أخرى، كما في قوله: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ البقرة:
58، وقوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا الأعراف: 161، إشعارا بعدم الفرق بين التّقديم والتّأخير.
3 -قد أوّلت كلّ طائفة هذين الفريقين بنفسها وبمن خالفها، مثل: أهل السّنّة والجماعة وأهل البدعة والضّلالة، أو من والى عليّا ومن عاداه- كما جاء في حديث طويل عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله، نقله البحرانيّ (1: 308) - أو الأنصار والمهاجرين وبني قريضة وبني النّضير، أو